الفصل الرابع
لم أكن اعرف شكلها….
والدي اخفى صورها جمعيها….لم يكن يتحدث عنها…لم يكن يريد ان اراها….لا اعلم سوى اسمها…(منى سيلمان)….من بطاقة الهوية الخاصة بي…فقط لا غير…لا اعرف عائلتها ولا احد…لا أحد…
كم نظرت في وجوه النساء في الطرقات….علها تكون واحدة منهن….علي لمحتها في يوم من الايام حتى لو لم تعرفني….ولكن كنت كمن يبحث عن روح فقدها وسط مقبرة جماعية…
ما تراها الأن تفعل؟؟
هل هي على قيد الحياة ام ….؟؟؟
هل تزوجت….هل لديها ابناء؟؟؟
هل هي قريبة مني….تسكن في نفس البلد الذي اسكن فيه ام لا…..
الشيىء الوحيد الأن الذي بت اعرفه..هو شكلها….لديها نفس لون عيوني العسلية…والشعر الاسود الطويل…وسمرة الوجه…
اين انت يا امي؟؟
لماذ تركتني وانا طفلة؟؟؟
لماذا نكرك ابي لهذه الدرجة؟؟؟ما الذنب الذي اقترفته ليتخلى حتى عن ذكرك او الحنين اليك؟؟؟
ماذا فعل هو لتتركيني وحيدة ولم تسألي عني في يوم مهما حاول هو ابعادك….
ولكن…هناك نقطة ضوء….الذي ارسل الصورة الي يعرف حتماً طريقك….يريد ان يعلمني بوجودك…يريدني ان ابحث عنك….وانا سأبحث عنك…سأبدأ من الصفر…لم يعد لدي شيىء اخسره او اخاف عليه….علي اجدك….
نزلت الدموع من عيوني حرقة وشوقاً…..الى ان دخلت ابنة عمي هنا التي لم اراها منذ فترة في المنزل…وجهها شاحب جدا….وعلى عيونها علامات المرض…
– هنا…انتي فين..بقالي كم يوم ما شفتكيش..
– قالت بتلعثم: كنت تعبانة….فضلت في العزبة…
– مالك ؟..انتي عيانة.؟؟
-اه اصلي شوية يعني….بس الحمدالله بتحسن…واخدة دور برد جامد..
-سلامتك الف سلامة…
-جيت بس اطلب منك طلب..لو سمحتي..
-اتفضلي..
– بس يبقى سر بيني وبينك ولا بابا ولا حد يعرف في,,
– قلت بحماس: قولي تحت امرك…
– الظرف ده عاوزاكي تاخدي للعنوان ده…وهما حيدوكي حاجة تجبيها وتيجي فورا…..
-قلت بخوف وتردد…: في ايه ده..
– انتي حتساعديني ارجوكي(بدأت بالبكاء) ارجوكي….ماليش غيرك هنا بجد..
-قلت عندها فوراً:: خلاص ماشي….حروح حالاً…..العم حسين يوصلني
– قالت بغضب: لق اوعي…تاكسي..مش عاوزة حد يعرف انتي رحتي فين
-هززت رأسي..وامسكت يدها وقلت: ماشي…..
……………………………….
لبست معطفي…وامسكت المظلة….وذهبت الى العنوان الذي أعطتني اياه…..تسللت كي لا يراني احد…زخرجت من البوابة الخلفية…..كنت بحاجة الى السير لوحدي…من دون سيارات ومن دون العم حسين ومن دون ان ارى او ان اتحدث مع احد…فقط مع نفسي..وانا ومظلتي والمطر..كنت شاردة…شعرت انني وحيدة…لم افكر في هناء ولا في الذي الذي اعطتني اياه ولا بما تريده مني….فقط في نفسي..في وضعي..وفي امي…وفي ما يحدث لي…..كنت اعشق المطر..ابكي لوحدي…فتختلط دموعي به ولا يعلم احد بها…مشيت ومشيت لساعة تقريباً…الى ان وصلت…كان الشارع من الطبقة الراقية جداً….اتجهت الى المبنى المقصود والى الطابق السادس… الشقة رقم 12…
رننت الجرس….فتح لي الباب شاب….(كان في الداخل صوت موسيقى صاخب جداً).نظر الي وقال بإستغراب….
– نعم…؟؟؟؟؟
-في واحدة اسمها هنا بعتالك الظرف ده
اخذه من يدي وفتحه وراء الباب…..لم اعلم ما رأه داخله….وانا اساسا لم افتحه….
اقفل الباب في وجهي قائلاً..استني هنا…
ثم عاد الي بعد دقائق وفي يده ظرف اكبر ومقفول…..اعطاني اياه واقفل الباب بسرعة….
اخذته عائدة……كان الليل قد رمى غطائه على الارجاء….لم اخف….رغم انني لوحدي…من ماذا اخاف؟؟
فأي مكان حتى الشارع اشعر فيه باالأمان اكثر من بيت عمي الذي اعيش فيه…..
شعرت ان المياه ملأت معطفي…..وشعري….ففتحت المظلة….ومشت تحتها…..الى ان هبت ريح قوية…اقتلعتها من يدي…ركضت لألحق بها….لكنها جاءت على زجاج سيارة اجرة…أعمت من يقودها فوقف فجأة وصدمني قليلاً…..
وقعت على الارض…ووقع ما احمله في يدي على الارض وابتل…..
خرج من السيارة شاباً واتجه نحوي برعب وهو يقول كالمجنون…
-انا مش قصدي…حصلك حاجة حصلك حاجة….
وقفت على قدمي بسرعة وقد ملأء الوحل جسدي وثيابي….نظرت اليه وهززت برأسي..
-كويسة…ما حصلش حاجة بس اصل الشمسية وقعت مني…
– وضع قلبه على يده قائلاً: الحمد الله….(ثم نظر الي)..بس انتي وقعتي…وضعك صعب…اوصلك لو سمحتي..
-قلت له وانا امسك بقدمي التي بدأت تؤلمني: رجلي بتوجعني….بس في حاجة وقعت مني استنى اجيبها..
اتجهت الى الظرف الذي وقع مني وابتل….لكني لم استطع انتشاله….فلقد افسد بالكامل…اخرجت ما بداخله كان كيساً في داخله مادة بيضاء…تنفست بقوة …وشعرت في داخلي بخوف كبير….وصدمة…وذهول…بقيت منحية الظهر لا استطيع ان ارفع رأسي…والشاب ينتظرني واقفاً وينظر الي ايضاً وهو يرى ما احمله في يدي…الى ان سققط من يدي هو الاخر وتتطاريت هذه المادة البيضاء على الارض …ومياه الامطار تمتصها وتأخذها معها ….
ابتلعت ريقي….كيف ابرر له ما حصل…وما في يدي…..لكنه التزم الصمت…واتجه نحوي..امسك بيدي وقال لي..
-حساعدك…اتضفلي اوصلك…
لم اجرؤ على الكلام….والمشهد الاخير يرمي بظلاله عليي….وعلى السائق…
– قال: تحبي اوصلك فين واكررلك اسفي بجد…هي رجلك كويسة..
– هززت رأسي ايجابا وقلت له: شارع الجامعة الالمانية…(خلعت معطفي الذب امتلأ بالوحول والمياه ووضعته بجانبي)
– ضحك وقال عندها: هو انتي الي كنتي جايباه ده والي وقع منك …بتجيبي منين؟؟
– قلت برعب: قصدك ايه؟؟؟
– لا بس يعني مش باين عليكي بتاعت الحجات دي….وهو اساسا الحجات دي بتتباع من المكان الي كنتي فيه…ده مزاج الناس بقا عالي اوي هناك….
– لق انت مجنون بجد…نزلني هنا فورا…
– ايه مالك…اتعصبتي ليه…محسوبك محمود…وانا كنت بسألك وبس..وطمني مش حجيب سير …صحيح انا سواق تاكس بس بردك جدع….مش بس الاكابر هما الي جدعان…..
– وضعت يدي على وجهي وبدأت بالبكاء بشكل هستيري: لق…لق.. مش انا والله مش انا…ربنا يسامحك يا هنا…..
-قال بخوف: بتعيطي يا انسة…والله ما كنش قصدي اضايقك…هو بس انا استغربت..شكلك مش بنت مدمنة …يعني بجد…
-قالت والدموع تنهمر من وجهي: مش انا…والله مش انا….انا تعبانة بجد..اعمل ايه ياربي,…اروح فين…
– اوقف سيارته جانباً ونزل واشترى لي من محال صغير زجاجة ماء واتى الي قائلاً: انا اسف والله..اشربي واهدي ….ارجوكي…
شربت الماء واستغفرت الله وهدأت…وقلت…
– وصلني بسرعة لو سمحت تعبانة….
لم يتحدث معي..وأنا ابكي بصمت …..الى ان وصلت الى منزل عمي…
– نزلت من السيارة…ومسحت دموعي وانا اقول له: متشكرة..واسفة بجد ..
– انسة…ما تتأسفيش….انا الي اسف اني خبطك وكمان زعلتك….
– رويدا…اسمي رويدا….عن اذنك…..
دخلت الى البيت…تاركة معطفي في سيارة السائق محمود….الذي غادر مسرعاً….دخلت مبللة….ووجهي شاحب…وقدمي مجروحة…وجدت الجميع في الصالة يتناولون العشاء …..عمي وزوجة عمي وعمر فقط……
ما ان رأني عمي ….حتى هب واقفاً وقال..
– انتي خرجتي ازاي وكنتي فين.؟؟؟؟
-زوجة عمي بإستياء: ايه المنظر المقرف الي انتي فيه ده؟؟
-عمر: رويدا؟؟؟!!!!
لم انظر الى احد بل اتجهت نجو السلم صاعدة الى غرفتي….
-فصرخ عمي قائلاً: استني هنا…انا بتكلم معاكي..كنتي فين
– زوجة عمي: تلاقيها رجعت عند امها…..
– ادرت وجهي الحزن والغضب يملأني وقلت بمرارة: سيبوني في حالي سيبوني في حالي……..
– اراد عمي ان يصرخ في وجهي ثانية وهم ليضربني لكن صوت عمر اوقفه قائلاً: بابا…سيبها دلوقت…سيبها ارجوك…
كلام عمر اوقف صفعة عمي….صعدت عندها الى غرفتي….واقفلت الباب عليي….دخللت الحمام…ووققفت بثيابي تحت المياه…اتألم لوحدي…وابكي لوحدي..واصرخ لوحدي…واصرخ…واصرخ…حتى رفعت ضغط المياه اكثر كي لا يسمعني احد….
ارتميت الى سريري…ونمت بصمت….حتى انني لم استجب لطرقات هنا على باب غرفتي..بقيت راقدة في مكاني…انتظر مـ,ـوتي….او نجاتي…املي بربي كان كبيراً….
…………………..
دخل ضوء الشمس نافذة غرفتي..الى ان تغلل داخل عيوني وايقظني بلطف….فلم استطيع مقاومته وفتحت عيني…
شعرت برغبة كبيرة في هذا اليوم الى مواجهة الجميع….وانا اعرف انني سأتعب كثيراً…ولكن اما ان نعيش في هذه الحياة بكرامة وعنفوان…او لا نعيش……
نظرت الى المرأة وانا احاول ان ابدل ملامح وجهي لتكون قاسية اكثر لتستطيع تحمل ما انا مقدمة عليه….
منذ خروجي اصطدمت بهنا الذي يبدو انها باتت على باب الغرفة…بدأت ترتعش قائلة….
– انتي فين..الظرف فين..
-نظرت اليها بشفقة ولؤم:قصدك المخدرات…انا رميتها…
-قالت بقوة: انا مدياكي الفين دولار عشان ترميهم…الجماعة قالولي انهم ادوهملك….رحتي بيهم فيهم
-قلت بصوت عال وانتزعت يدها بقوة: بقلك رميتهم…ولو اتكرر الموضوع ده تاني مش حيحصل طيب…انا اسفة بجد…اسفة اني وثقت فيكي….وزعلانة عليكي….
تركتها وهي تصرخ….نفس الصراخ الذي سمعته قبل ايام……ارعبتني…ولكن زوجة عمي اسرعت اليها …وحضنتها بقوة…..اخرجت هاتفها النقال واتصلت منه…
-الو..عزت..تعالا بسرعة…هنا رجعتلها النوبة تاني…لازم نرجعها المصحة فوراً….تعالا بسرعة البنت حتروح مني تعالا….
ادخلتها الى غرفتها واقفلت عليها الباب….وهنا تصرخ بقوة….
اقتربت عندها زوجة عمي مني وامسكتني من يداي وبدأت تهزني بعنف وتقول…
– مش حسيبك توصلي للي انتي عاوزاه …مش حسيبك…..
افلت من يدها وخرجت مسرعة…..وجدت عم حسين ينتظرني في الخارج..
-عاوزة تروحي مكان يا انسة؟؟
– اه…وديني السجلات المدنية….مركز السجلات…
ذهب بي العم حسين الى حيث طلبت…توجهت الى مكتب …وارشدني الموظف الي مكتب اخر…الى رجل يدعى جمعة…
– صباح الخير…استاذ جمعة…
– اخرج رأسه من الاوراق الكثيرة التي كانت امامه….: اهلا اتفضلي..
– انا عاوزة مساعدتك في حاجة….
– ايوة..
– انا بدور على امي…وعاوزة بس اعرف عنوانها….ممكن نبدأ ازاي..انا ما عرفش حاجة غير اسمها..
– مش ينفع…لازم تديني اسمها ورقم سجلها الاساسي او اسم جدك عشان الاسامي الي هنا ممكن تتشابه كتير…
– انا ما عرفش غير اسمها….
– ممكن تلاقي حاجة عنها من سجلات الجواز ….ندور على اسم ابوكي ورقمه ونعرف ساعتها معلومات عن الي انتي بتدوري عليها..
– هي اسمها :: منى …منى سليمان….
– اديني بطاقتك لو سمحتي…
– اعطيته اياها فنظر اليها ثم قال: انتي بتدوري غلط يا انسة….لازم تروحي المنصورة…مش هنا طلبك…عشان انتي من مواليد المنصورة ويمكن من شهادة ميلادك الي متثوقة هناك تلاقي صورة عن بطاقة والدتك….بس مش عندي….
-قلت بإستياء: المنصورة؟؟؟؟….ماشي….شكرا
خرجت من المكتب وانا اشعر بثقل كبير على كاهلي…..ماذا افعل….عدت الى المنزل وكنت قد قررت ان التزم غرفتي….ولا اكلم احد….ولا احد…حتى عمر….
وقبل ان اصل مع العم حسين الى البوابة وجدنت سيارة ااجرة تقف خارجاً…نظرت الى داخلها…انه محمود….ماذا يفعل هنا؟؟؟؟؟؟
– اقتربت منه : انتي بتعمل ايه هنا…
– نزل من السيارة ومفي يده معطفي: اصلك نسيتي ده امبارح انسة…بس انا نضفتهولك….وكويتو…يمكن ده تعبير صغير عن اعتذراي عن الي حصل امبارح…ياريت تقبليه…
بدأ العم حسين ينظر الينا …..فقال مسرعاً,,
-انسة رويدا…هو في حاجة..
-قلت مسرعة: لق روح انت يا عم حسين خلاص…
نظر بطرف عينه الى محمود وكانه يريد ان يقـ,ـتله وابتعد….
-قلت: متشكرة اوي يا محمود…وانا كمان اسفة على امبارح….
-قال وهو يغادر: ربنا معاكي…(وابتسم)
وقفت للحظات…..وامسكت معطفي ودخلت به …وجدت امامي عمر …
– مساء الخير..
– اهلا رويدا…رجلك كويسة…
– اه الحمد الله….اخبار هنا ايه
-قال بإستياء: ودوها المصحة…وماما معاها…حيقعدو من يوم هناك …..
– وعمي: سافر الصبح …ما فيش غيري انا ومدحت هنا
– قلت بمكر: انا من فترة سألتك على صريخ….سمعته هنا في الفيلا…وانت انكرته…ليه..ما قلتليش انه صوت هناء….
-قال بإستغراب: بس انا فعلاً ما سمعتش حاجة….صدقيني..انا بنام بدري…بخاد الادوية بتاعتي وبنام…الادوية بتاعتي ما بتخلينيش احس بحاجة…وانا بحتاجلها اوي….ما فيش حاجة بتخليني انسى الا النوم..ولولا اني مؤمن كنت عملت زي هناء وادمنت….
-قلت بذهول/: ليه كل ده ليه….انا مش عارفة افهم حد فيكم…انتم ليه كده…ليه عايشين كده..وليه بتتصرفو كده….
– قال بقسوة: احسنلك ما تفهميش…احسنلك…
تركته لوحده ولم اجادله فيما قاله……
نظرت الى فوق وجدت مدحت يراقبني…….
………………………………………….. ..
دخلت غرفتي بشرود كبير…وقبل ان اقفل الباب…دخل ورائي مدحت واقفل الباب بالمفتاح…
واقترب مني…
– ايه…مش حتحني يا جميل بقة؟؟
– قلت وانا اتراجع الى الوراء: انت قفلت الباب ليه…اطلع برة لو سمحت عاوزة ارتاح..
– لم يأبه لي بل اقترب مني اكثر وقال: حترتاحي…اكيد…
– ابعد عنيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي يييييييييييييييييييييييييييييييييييييي