بقلم دعاء عبدالرحمن -2

انت في الصفحة 4 من 13 صفحات

***الفصل الرابع عشر

دخلت دنيا غرفة والدتها ودلفت إليها فى حذر وهى تنظر لوالدتها التى كانت تجلس على طرف فراشها وهى ممسكة ببعض الصور التى كانت تجمعها بزوجها وشريك عمرها فى بداية زواجها وقد لمعت العبرات فى عينيها ولكنها تظاهرت بالتماسك أمام ابنتها وهى تقول بجدية:

– أقفلى الباب وراكى مش عاوزه حد يسمع فضايحنا

خفق قلب دنيا وهى تغلق الباب وتقف خلفه وهى تنظر لوالدتها بخوف وارتياب فقالت أمها بصرامة :

– اسمعى ..أنتِ عارفه أنى مبحبش أكرر الكلام مرتين …ومش عاوزه أسمع نفسك ..عمتك بره ومش عاوزاها تسمع

وقفت دنيا متربصة فى صمت وبعينين زائغتين تنتظر حديث أمها التى يظهر من بدايته أنه غير مبشر على الأطلاق ..فتابعت والدتها بحسم :

– أنا اتكلمت مع فارس واتفقنا على كتب الكتاب قريب أوى وهو وافق بس مستنى رأيك

أتسعت عينيى دنيا دهشة وهتفت باستنكار:

– بتقولى أيه يا ماما

هبت أمها من مجلسها وتقدمت منها وجذبتها من يدها بعنف وأبعدتها عن الباب, اتجهت بها إلى الفراش وأدارتها مواجهة لها بقسوة وهى تقول بغضب:

– أسمعى يا بت انتِ.. أقسم برب العزة لو قلتى لاء ولا فتحتى بؤك بكلمة.. لكون بعتاكى مع عمتك على البلد وهتقعدى هناك ومش هترجعى هنا تانى وهناك بقى يا عين أمك يبقوا يجوزوكى بمعرفتهم

بكت دنيا بين يدى أمها وهى تتضرع لها قائلة:

– ليه كده يا ماما هو انا عملت ايه علشان كل ده

دفعتها أمها على الفراش وقالت بحزم:

– أنا مش هسيبك لما عيارك يفلت وتعتمدى على أنك ابوكى خلاص مبقاش موجود وسطينا

دفنت دنيا وجهها فى الفراش وهى تبكى بحرقة وتقول بصوت مختنق:

– يا ماما والله ما عملت حاجة.. الراجل ده كان بيعرض عليا الجواز وانا رفضت والموضوع أنتهى

تابعت والدتها بغضب:

– أنتِ يا بت مش كنتِ بتقولى أنك بتحبى خطيبك ..مش عاوزه تجوزيه ليه .. فهمينى

مسحت دنيا دموعها بكفيها وهى تقول بصوت متقطع:

– مش عاوزه أعيش فى الحاره مع أمه

– خلاص بسيطة.. نكتب الكتاب لحد ما نلاقى شقة إيجار كويسة تعيشوا فيها واهو مرتبة زاد كتير بعد ما اترقى فى المكتب

قالت دنيا بحنق وهى تجفف دمعها:

– إيجار يا ماما ..أنتِ عمرك ما وافقتى على الأقتراح ده قبل كده

نظرت والدتها أمامها وقالت بوجوم:

– كنت غلطانة ..كل حاجة كانت غلط ..لكن دلوقتى خلاص مينفعش اغلط تانى …أبوكى سابك أمانة فى رقبتى وانا مش هخزله أبدا وافرط فيكى واسيبك تضيعى وتضيعينا معاكى

ثم ألتفتت إليها وقالت محذرة:

– والدته هتيجى تعزينا وهو هيسألك عن رأيك وطبعا انتِ موافقة ..مش كده ولا ايه

قالت دنيا باستسلام :

– حاضر يا ماما هوافق

نهضت أمها واقفة وهى تلقى نظرة على صور أبيها وتقول بشرود:

– أبوكى كان بيقول على فارس راجل وقد المسؤلية ..يارب بس يقدر يستحمل بلاويكى

وأعملى حسابك انتِ مش هتخرجى من البيت قبل كتب الكتاب فاهمة ولا لاء

أطرقت دنيا برأسها أرضاً فى تفكير وهى تقول بشرود باحثة عن مخرج:

– فاهمة

***

أنهى بلال صلاة المغرب وتوجه إلى المركز العلاجى سريعاً وما أن دخل وألقى السلام حتى قال الممرض الذى كان ينتظره خارجا:

– والدة حضرتك مستنياك جوه

عقد بلال ما بين حاجبيه مندهشاً وهو يدلف إلى حجرة الكشف ورأى والدته وهى تجلس على المقعد بجوار مكتبه الخاص تنتظره , أقبل عليها وانحنى بابتسامة يقبل يدها وهو يرحب بها , جلس على المقعد المقابل لها وهو يقول:

– خير يا أمى أيه اللى نزلك وانتِ لسه تعبانة

أبتسمت بمكر وهى تقول:

– جاية اشوف عبير.. مش هى برضة جاية النهاردة

ضحك بلال ضحكة رنانة وقال:

– ينهار أبيض يا أمى.. طب أنا غلطان أنى حكتلك

ضحكت ثم قالت:

– هو انت يعنى كنت عاوز تقول.. ده انا اللى سحبت الكلام منك سحب

مال إلى الأمام وهو يقول بأهتمام:

– أمى الله يكرمك الناس زمانها جاية.. وأنا مش عاوز أحرجهم

ضربته أمه على قدمه وهى تقول:

– أنا هسلم وامشى بس ..كأنى كنت قاعدة معاك عادى

أبتسم وهو يضيق عينيه ناظراً إليها وهو يقول:

– طب وأيه لازمتها لما هتمشى على طول

رجعت للخلف وهى تستند إلى مقعدها قائلة:

– نفسى اشوف مين دى اللى لفتت نظرك يا بلال ..ده انت اتعرضت عليك بنات كتير مفيش واحدة فيهم لفتت نظرك.. وبعدين عاوزه اشوف أهلها.. أنا برضة ليا نظره

طرق الممرض الباب ودخل ووضع الملف أمام بلال على مكتبه قائلا:

– أدخل الحالة يا دكتور ولا استنى شوية؟

قالت والدته على الفور :

– دخلهم يابنى انا ماشية على طول

نهض بلال وجلس خلف مكتبه بينما دخل والد عبير وهو يبتسم له ويمد يده للمصافحة , صافحه بلال بحرارة مرحباً بهم , نظرت أم بلال إلى والد عبير تتفحص هيئته وطريقة حديثه ثم نظرت سريعا إلى الباب وهى تتابع دخول عبير متكأة على يد والدتها بنظرات متأملة متعمقة وتبادلت النظرات معهما ثم قالت لوالدتها :

– ألف سلامة ربنا يقومهالك بالسلامة يارب

قالت أم عبير بابتسامة متسائلة:

– الله يسلمك

قالت والدته وهى تعرف نفسها :

– انا أم الدكتور بلال

صافحتها أم عبير بابتسامة واسعة وحياها والدها مرحباً بيما قالت أم بلال وهى تنظر إليهم :

– الشرف لينا .. أنا مش هعطلكوا على الجلسة .. أنا أصلى نسيت الأدوات بتاعة الحجامة بتاعتى عند بلال وقلت انزل اخدها وطالعة على طول.. أصل أحنا شقتنا فوق المركز على طول

قالت أم عبير بانتباه :

– هو حضرتك بتعرفى تعملى حجامة .. ده انا وعبير بنتى كنا دايخين على حد بيعرف يعملها

نظرت عبير لوالدتها بدهشة فهى لم تسمعها يوما تسأل عن هذا الأمر مسبقاً ولكنها آثرت السكوت .. وسمعت أم بلال تقول :

– تنورونى فى أى وقت .. أيه رأيك تطلعولى بعد الجلسة لحد ما الحاج يروح يصلى العشا ويرجع نكون خلصنا

نظرت عبير ووالدها إلى والدتها وهى تقول بموافقة وحماس :

– خلاص أتفقنا هنطلعلك بعد الجلسة على طول واهو لحد ما الحاج يروح يصلى العشاء مع الدكتور بلال

أبتسمت أم بلال وهى تنظر لأم عبير التى بادلتها النظرات وكأن كل منهما يتبادلان النظرات المٌشفرة التى لا يعلم معناها إلا هن فقط!

خرجت أم بلال تودعهم وأغلقت الباب خلفها بابتسامة كبيرة وهى تشعر انها قد حققت هدفاً فى مرمى حياة ولدها المستقبلية , جلست عبير على الكرسى التى جلست عليه فى المرة السابقة وهى مازالت تنظر لأمها متعجبة , نهض بلال وأخذ نفس المقعد الصغير ووضعه قريب منها كما فعل فى المرة السابقة وهو يقول بجدية مفاجأةً:

– أنتِ مبتسمعيش الكلام ليه ؟؟

نظرت له نظرة خاطفة وقالت بقلق :

– يعنى ايه؟

تابع بنفس الجدية:

– انا مش قلت عاوزك تعتمدى على نفسك فى الحركه ومحدش يساعدك .. ليه شايفك داخلة دلوقتى متسندة على والدتك؟

قالت عبير بخفوت وهى تنظر للأرض:

– ده دلوقتى بس لكن فى البيت لاء

أومأ برأسه ونهض من مكانه , أحضر كرسياً آخر له مسند غير الذى تجلس عليه وقال بحزم:

– تعالى اقعدى هنا علشان نبدأ

شعرت عبير بصعوبة وهى تنهض بمفردها ولكن ليس هذا ما تشعر به فقط, وليس هذا هو سبب توترها, لا تعلم لماذا ترتجف عندما يتحدث إليها بشكل مباشر, هل لأنها غير معتادة على أن رجل غريب يتحدث إليها بشكل مباشر أم لشىء آخر لا تعلمه !

أتجهت إلى حيث أمرها فابتعد عن مقعدها وتركها تجلس وأتى بمقعده ووضعه أمامها ..جلس عليه وهو يقول :

– كل حركة هعملها لازم تعملى زيها بالظبط

أومأت برأسها موافقة ورأته يرفع ساقه ويمدها أمامه ببطء شديد ويعيدها إلى مكانها ببطء مرة أخرى , فشعرت أنها لن تستطيع فعل ذلك, التمرين يبدو سهلا ولكنه بالنسبة لمن يعانى من كسر جديد فى قدمه فهو صعب للغاية

قال متابعاً:

– يالا هتفردى رجلك ببطء على عشر تسبيحات وترجعيها مكانها تانى ببطء برضة على عشر تكبيرات ..أتفقنا ؟

نظرت له بدهشة وقالت:

– ازاى يعنى

قال بابتسامة عذبة :

– يعنى ياستى بدل ما نقول نرفع رجلينا ببطء على عشر عدات أو عشر دقات ..لاء أحنا هنعمل التمرينات على ذكر الله وكده التمرينات يبقى فيها بركة وفى نفس الوقت أخدنا ثوابها

أبتسمت عبير من خلف نقابها وتبادلا أمها وأبيها النظرات وألتفتا مرة أخرى إلى الدكتور بلال وهو يقول:

– شوفى زى كده بالظبط

وبدء فى رفع ساقه ببطء قائلاً:

– سبحان الله …سبحان الله …سبحان الله ….

ثم أعادها إلى حيث كانت مرة أخرى ببطء أيضا وهو يقول:

– الله أكبر… الله أكبر …. الله أكبر….

جاهدت عبير لفعل ما أمرها به ولكنها كانت خجلة وهى تسبح وتكبر بصوت هامس وخجول

كان بلال يتابعها فى صمت وهو يستمع إلى صوت تسبيحها الهامس وتكبيرها الخفيض شعر بصوتها يسرى بداخله ويتغلل بين جنباته يسبح بين طيات قلبه بانسيابية ويسر, أفاق من شروده على صوتها الخجول وهى تقول بأجهاد:

– خلصت يا دكتور أكرره تانى ولا خلاص

رفع رأسه لها منتبهاً ثم قال وهو ينهض مبتعداً :

– لاء هنكرره تانى …

جلس خلف مكتبه وتركها تكرر التمرين وحدها وأخرج بعض الصور الملونة المطبوعة بحرفية وقدمها لوالدتها ووالدها قائلا:

– دى صور لبعض التمارين المهمة ..لازم تعملها بمساعدة حد فى الأول

نظر إلى والدتها قائلا:

– حضرتك ممكن تساعديها بسهولة فى البيت .. والورق ده فيه كل الخطوات وهو سهل ان شاء الله.

أنتهت الجلسة على وقت أذان العشاء , ذهب بلال ووالد عبير إلى الصلاة بينما صعدت عبير وأمها إلى أم بلال التى كانت تنتظرهما فى شقتها وقبل أن يطرقوا الباب قالت عبير هامسة لوالدتها:

– هو فى ايه يا ماما من أمتى وانتِ بتحبى الحجامة

طرقت أمها الباب وهى تضغط على يدها قائلة:

– حبتها.. مالكيش دعوة

وضعت أم بلال أكواب العصير مرحبة بالزائرتين وبدأت فى وضع الكاسات الهوائية فى أماكن معينة فى جسد عبير وهى تتفحص وجهها وجسدها بنظرات خبيرة قائلة:

– ماشاء الله يا عبير انتِ زى القمر

أبتسمت عبير فى خجل ولم ترد فقالت أمها و قد لمعت عينيها بسعادة :

– عبير طول عمرها مهتمة بنفسها بس البتاع اللى حاطاه على وشها ده هو اللى مخلى محدش بيشوفها ولا يعرف شكلها ايه

قالت أم بلال وهى تضغط الكاسات الهوائية على قدم عبير:

– اللى يستحق يشوفها ويشوف جمالها هو اللى ربنا كاتبله يبقى جوزها مش الناس اللى ماشية فى الشارع يا ست أم عبير

ثم رفعت رأسها لعبير قائلة:

– يالا بقى علشان أعملك حجامة على ضهرك كمان بالمرة كده

أحمر وجهها وهى تقول بحياء:

– لا معلش يا طنط مش هينفع اقلع البلوزه

نظرت لها أمها بحدة وقالت آمره :

– دى ست زيك يا عبير هتكسفى من الستات برضه

هزت عبير رأسها وقالت معاندة:

– معلش بجد مش هينفع مقدرش والله

كادت أمها أن تعترض ولكن أم بلال منعتها قائلة بحسم:

– خلاص يا بنتى مفيش مشكلة .. لما نعرف بعض كويس مش هتتكسفى مني

أزالت الكاسات عن قدمها ومسحت بعض الدماء وهى تسمع أم عبير تقول متسائلة:

– هو اللى بيعمل الحجامة دى لازم يكون متخصص ؟

قالت أم بلال باهتمام:

– بلال هو اللى علمهالى بما أنه دكتور .. ساعتها قالى أن فى دورات بتتاخد فيها واللى بيدى الدورات دى دكاترة واللى بياخد الدورات دى بيبقى معاه شهادة معتمدة أنه عنده علم بيها لأن فى أماكن فى الجسم خطر أى حد كده يقرب منها لازم يكون دارس.

بعد أنتهاء صلاة العشاء عدلت عبير هندامها ووضعت غطاء وجهها وأنتظرت حتى أنتهت الصلاة وانصرفت بصحبة أمها مودعة أم بلال التى ودعتهم بابتسامة متفائلة على وعد باللقاء

***

أحتضنت دنيا أم فارس وهى تقبلها هى ووالدتها و تعزيهما فى فقد الزوج والوالد والركن الشديد ومظلة الحماية لعائلتهم الصغيرة , وبعد وقت قصير باغتتهم والدة دنيا بقولها :

– ها يا فارس حددت معاد مناسب ولا لسه

نظر إليها فارس منتبهاً لكلماتها وتبادل نظرات صغيرة مع والدته ثم نظر إلى دنيا وقال:

– رأيك ايه يا دنيا وأيه المعاد اللى يناسبك

قالت دنيا متلعثمة وهى تتجنب النظر إلى عينين والدتها المصوبة إليها بحدة:

– المعاد اللى ماما تحدده

حاول فارس أن يخفى ابتسامته فهى غير مناسبة للموقف وقال :

– أول ما اخلص امتحانات الماجستير على طول .. كويس ؟

ونظرت والدة دنيا إلى والدة فارس تسألها:

– أيه رأيك يا حجة؟

قالت أم فارس مرحبة ومندهشة فى نفس الوقت :

– كويس أوى

ظهرت علامات الأرتياح على وجه والدة دنيا ونظرت لفارس وقالت بصدق:

– كتب الكتاب هيبقى على الضيق كده.. فى البيت يعنى.. متفتكرش انى طالبة منك فوق طاقتك .. وأنا عن نفسى مش عاوزه غير أنى اطمن على بنتى أنى لو مت وسبتها تبقى مع راجل يقدر يحميها ويتحمل مسؤليتها والحاج الله يرحمه كان دايما بيقول عليك قد المسؤلية

لمعت عينى فارس تأثراً وأطرق برأسه حزناً على فقد هذا الرجل الذى كان يتمنى أن يمتد به العمر أكثر ليثبت له أنه عند حسن ظنه به بينما قالت والدته:

– الله يرحمه

أخبرته والدة دنيا برغبتها فى بقاء دنيا معها هذه الفتره وبعدم رغبتها فى عودتها للمكتب وطمئنها فارس بموافقته وأن الدكتور حمدى ليس لديه أى مانع وأنه يقدر ظروف دنيا بعد وفاة والدها.

***

جلس بلال إلى والدته بعد عودته ليلاً وعلى وجهه سعادة كبيرة لما يسمعه منها عن عبير ووالدتها وقال بلهفة:

– بجد يا أمى يعنى انتِ فعلا حسيتى انها مرتحالى .. طيب افاتحهم فى الموضوع أمتى

ضحكت والدته وهى تقول:

– ومالك مستعجل أوى كده ده انت يدوب شفتها كام مرة

ثم ضحكت مرة أخرى وهى تستدرك:

– قال شفتها قال

ضحك بلال لدعابة والدته وقال:

– أنتِ بتقولى فيها يا أمى ..أنا فعلاً شوفتها بقلبى وعقلى.. متقدريش تتصورى يا أمى هى حيية وخجولة وبتحافظ على نفسها قد أيه.. ودى أول حاجة شدتنى ليها حتى من غير ما اقابلها اصلاً

ربتت على ساقه وهى تقول مطمئنةً:

– متقلقش سيب الموضوع على الله ثم عليا.. لو تحب أروح اخطبهالك النهاردة قبل بكره

فرك كفيه قلقاً وهو يقول:

– أنا بس عاوز أتكلم معاها علشان أعرف شوية حاجات تهمنى كده وده ان شاء الله يحصل فى الرؤية الشرعية

– بس يابنى هنروح نتقدم كده مش نستنى لما تخف الأول طيب

أبتسم بلال ابتسامة ذات معنى وهو يتمتم:

– ماهى لما تبقى مراتى هعرف اعالجها بضمير

***

وقفت عزه ليلا فى نافذتها تتطلع إلى بداية الطريق عن كثب وتتأمل المنعطف الذى يجتازه عمرو يوميا فى نفس الميعاد عائداً من عمله , ظلت تنظر لساعة يدها بين كل دقيقة وأخرى فى قلق وهى تتمتم بقلق:

– أتأخر أوى النهاردة

سمعت صوت أنثوى من خلفها يقول:

– سبحان الله له فى خلقه شئون

ألفتت عزة إلى عبير وعاودة النظر من النافذة مرة أخرى إلى تلك البقعة الفارغة والتى تنتظر عمرو ليمر بها وكانهما على موعد وقالت:

– بطلى التلميحات دى يا عبير

ضحكت عبير وهى تقول:

– صحيح والله الممنوع مرغوب..الراجل كان بيتمنالك الرضا ترضى وكنتِ حتى مبتفتكريش شغله الصبح ولا بالليل ..أول ما يديكى الوش الخشب تبقى هتموتى عليه وعارفة مواعيد رجوعه بالظبط

قالت عزة بتوتر دون أن تنظر إليها:

– أنا مش هموت على حد على فكرة.. أنا واقفة عادى

قالت عبير وهى تومأ برأسها ساخرة:

– صح وانا مصدقاكى

ثم قالت مردفةً:

– على فكره بقى اللى بيحصل ده فى مصلحتك والله

لمعت عينيى عزة بالدموع وهى تقول بهمس:

– من مصلحتى انه يخاصمنى ومش عاوز يرد على تليفوناتى ويتهرب مني ..من مصلحتى أنه قلع الدبلة وقالى اقلعيها خلاص

هزت عبير رأسها نفياً وهى تقول:

– لاء من مصلحتك انك تعرفى قيمة الراجل اللى هتجوزيه .. أياً كان مين الراجل ده.. من مصحلتك أنك تشيلى من قلبك أى رواسب قديمة كانت هتسبب فى مشاكل بينكوا بعدين وانا شايفة بقى اللى حصل ده هو اللى هيشيل الرواسب دى

قالت عزة بصوت مختنق بالدموع :

– والدبلة اللى قلعها

قالت عبير بثقة:

– ولا تسوى حاجة.. أنتِ عارفة أنه بيحبك والدبلة اللى اتقلعت تتلبس تانى .. المهم قلبك انتِ يكون صفى ومستعد لاستبقال البشمهندس اللى هيجننك ده

وكأن عبير قد استدعته بكلامها عنه , تعلقت عينيى عزة بمنحنى الطريق ورأته وهو يدلف منه واضعاً يديه فى جيبيى بنطاله ويسير ببطء . يركل كل حصى تقابله وكأنه يتعارك معها ويتوعدها ألا تصادفه مرة أخرى وتتنحى أمام قدميه المتحفزتين , يظهر الحزن على قسماته وتعابير وجهه وكأنه فقد شخصاً , أو شيئاً , أو قلباً !

فى كل مرة كانت تقف هكذا تتمنى أن يرفع رأسه ليراها واقفة تنتظره ولكنه لم يكن يفعل أبداً , ولكن هذه المرة وبتلقائية شديدة رفع رأسه وكأنه يتوقع أن يرى نافذتها مغلقة فى هذا التوقيت , رآها تطل عليه بعينين زائغتين معتذرتين دامعتين , تلاقت نظراتهما مع خفقان قلبها وشعوره بالحنين لفقدانها , دار حواراً سريعاً بين عينيهما كان عنوانه الأول والأخير … أعتـذر منـك ..أشتـاقكِ ..عُـد إلـي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!