بقلم دعاء عبدالرحمن -2

انت في الصفحة 3 من 13 صفحات

الفصل الثالث عشر

كانت عزة تجلس بجوار أختها عبير ظهراً وهى تساعدها فى ارتداء اسدال الصلاة فسمعت صوت رنين الهاتف فقالت عبير:

– روحى شوفى مين يا عزة خلاص هلف الطرحة واصلى

تركتها عزة وأتجهت للهاتف بعد أن ربتت على كتفها وأجابت على المتصل:

– السلام عليكم

أبتسم عمرو بتلقائية وهو يقول:

– وعليكم السلام ..هى النمرة غلط ولا ايه

قالت عزة باستغراب:

– لا يا عمرو النمرة مش غلط

أتسعت ابتسامته أكثر وأخفض صوته وهو يضع أصابعه على سماعة الهاتف قائلا :

– لما رديتى عليا وسمعت صوتك افتكرت انى اتصلت بمحل العصافير

أنتبهت عزة أنه يداعبها فلم تستطع أن تمنع نفسها من الأبتسام ولكنها قالت بنرة جدية:

– خير يا عمرو فى حاجة

زفر عمرو بقوة شعرت بها عزة على الطرف الآخر وقال:

– أه فى طبعا أومال بتصل علشان اقولك وحشتينى مثلا .. لا يا ماما ده بُعدك

أحمرت وجنتها وقالت بنبرة اكثر جدية:

– لو سمحت يا عمرو قول عاوز أيه وإلا هنادى ماما تكلمك هى بقى

قال على الفور :

– لالالا على ايه يا ستى ..بصى احنا الحمد لله لقينا دكتورعلاج طبيعى كويس أوى ومحترم جدا ومتدين وعلى فكرة هو مش بيتعامل مع ستات .. بس لما فارس قاله ان عبير مش عاوزه تروح لدكتور والكلام ده .. وافق طبعا بس عاوز والدك يروح معاها

قالت عزة بتلقائية وبدون تفكير:

– معرفتك ولا معرفة فارس ؟

تغير صوت عمرو وقال بضيق:

– هتفرق معاكى مش كده ..؟؟

شعرت بالأرتباك وندمت على كلمتها ولكنها قالت بتماسك :

– لا مش قصدى .. قصدى يعنى.. أصلك بتقول متدين و.. محتــ

قاطعها بغضب وغيرة واضحة:

– وأنا معرفش حد متدين ومحترم .. لكن فارس يعرف مش كده.. مش ده قصدك ؟

حاولت أن تتكلم ولكنه قاطعها مرة أخرى قائلا:

– عموما هكلم والدك لما ارجع من الشغل واديله التفاصيل والعنوان..سلام

أنهى عمرو المكالمة بعصبية ومسح رأسه بعنف , حاول أن يعود إلى عمله , ولكن أفكاره جميعها تشتت وغلب عليها عدم التركيز فترك القلم مرة أخرى ووضع رأسه بين يديه وأغمض عينيه واستسلم لشيطانه الذى أخذ يوسوس له ويؤكد له الفكرة التى زرعتها هى بكلمتها تلك ..

تناول القلم مرة أخرى ودون عنوان الدكتور بلال عليه ثم استأذن وانصرف مغادرًا إلى منزل عزة , صعد الدرج سريعاً , طرق الباب وانتظر بعيدا حتى فتحت والدتها الباب وقالت بترحاب لا يخلو من الدهشة:

– اهلا يا بشمهندس ..أتفضل يابنى

أخرج عمرو الورقة من جيبه ومد يده بها إليها وهو يقول:

– معلش يا طنط وقت تانى ان شاء الله .. ده عنوان دكتور علاج طبيعى كويس صاحب فارس مش صاحبى .. فارس كلمه على حالة عبير وهو مرحب بيها فى أى وقت بس لازم يكون والدها معاها.. والأشعة كلها

مدت يدها لتأخذها وهى تقول:

– يابنى تعالى مينفعش على السلم كده

قال وهو يتجه للسلم مسرعاً:

– معلش اصلى مستعجل شوية ..سلام عليكم

عادت والدة عزة للداخل وهى تنظر أمامها متعجبة وتقول:

– سبحان الله …!!

خرج زوجها من غرفة نومه بعد أن أنهى صلاته وقال وهو ينظر إليها:

– مين يا ام عبير

قالت زوجته وهى تنظر لعزة الجالسة أمام التلفاز شاردة :

– ده عمرو يا حاج

أنتبهت عزة والتفتت إليها وقال والدها متعجباً:

– ومدخلش ليه ؟

نظرت والدتها إليها مرة أخرى باستفهام وقالت:

– مش عارفة يا حاج .. شكله كده مضايق من حاجة

ناولته الورقة وهى تقول:

– كان جايب عنوان دكتور علاج طبيعى لعبير وبيقولى انه صاحب فارس مش صاحبه هو

أخترقت الكلمة أذن عزة وشعرت أن الدماء ستنفجر من رأسها وقالت بداخلها وهى واجمة:

– طالما زعل وعمل كده يبقى أكيد أفتكر أن فى حاجة ..يارب استر

هتفت عبير مستنكرة:

– أنا مش هروح يا بابا

نظر لها والدها بحدة لم تعتدها منه وقال:

– هتروحى يا عبير يعنى هتروحى ..ولا عاوزه يحصلك ضمور ومتتحركيش تانى

شعرت بالعبرات تقتحم مجال رؤيتها لتعيقها عنه وهى تقول:

– يا بابا حضرتك عارف يعنى ايه علاج طبيعى .. يعنى ممكن يقول تدليلك وكلام فاضى يرضيك يعنى يا بابا واحد يقعد يدلك رجلى

تدخلت عزة وقالت بخفوت وكأنها تخشى أن يخرج صوتها من حلقها :

– عمرو لما اتصل قال انه متدين ومحترم ومش بيتعامل مع ستات أصلا لكن لما ..

وشعرت بغصة وهى تقول على مضض:

– لما فارس قاله انك مش عاوز تروحلى لدكتور راجل وان احنا مش لاقين دكتور مضمون وافق بصعوبة

نهض والدها وقال موجهأً حديثه لعبير :

– جهزى نفسك هنروح بكره على طول

وقبل أن تتكلم قال آمراً:

– ومش عاوز كلمة زيادة

***

دخلت عبير مركز العلاج الطبيعى وهى تستند لذراعى والدها ووالدتها, جلست تنتظر دورها بجوارهما فى قلق , المكان حولهم ملىء بالرجال لا يوجد امرأة واحدة فى المركز , شعرت بألم فى معدتها وحاولت أن تذكر الله مراراً حتى تهدأ , نهض والدها وتحدث إلى الممرض ثم عاد وجلس بجوارهما مرة أخرى ومال عليهما قائلا:

– خلاص قدامنا حالة واحدة بس الحمد لله

همست عبير مستنجدة به:

– بابا انا عاوزه اروح البيت

نظر لها محذرا وقال:

– عبير ايه شغل العيال ده

وأخيرا جاء دورها فى الدخول له , ولم تكن تطأ إلى غرفته حتى اتسعت عيناها دهشة وهى تنظر إلى بلال ولحيته وسمته الظاهر , غضت بصرها سريعاً عنه وسمعت والدها يلقى السلام وسمعته يرد عليه السلام بود واحترام , ثم هب بلال واقفاً ووضع مقعد الكشف فى وضع مريح لها وابتعد حتى تجلس بأريحية وعاد ليجلس خلف مكتبه مرة أخرى

جلس والديها على المقعدين المقابلين أمام مكتبه وهو ينظر إلى الأشعه بأمعان وتأمل دقيق , ثم رفع رأسه بابتسامة عذبة وبشاشة قائلا:

– ماشاء الله نتيجة الأشعه ممتازة .. باذن الله كده الموضوع مش صعب خالص على فكرة …متقلقوش يا جماعة خير إن شاء الله

قالت والدتها وقد لانت تعابير وجهها قليلا:

– ان شاء الله .. تسلم يا دكتور والله انت وشك فيه القبول

أردف زوجها على الفور :

– اه والله يا حجة معاكى حق

أبتسم بلال وهو ينظر للزوج قائلا:

– جزاكم الله خيرا والله ده من ذوقكم بس

تناول أحد الملفات الفارغة وهو يقول:

– انا هعملها ملف بحالتها فى الأول كده علشان نبقى متابعين التطورات أول بأول

لمعت عينيه بنظرة ذات مغزى وهو يدون البيانات , تظاهر بالأستغراق فى كتابة البيانات ووالدها يمليه أسمها والعنوان ورقم الهاتف , توقف فجأة عن الكتابة وسأل بشىء من الامبالاة قائلا:

– أكتب آنسه عبير ولا مدام عبير

قالت والدتها سريعاً:

-آنسه عبير يا دكتور

دون بلال البيانات فقال والدها بتردد:

– هو العلاج الطبيعى ده بيبقى ازاى ..معلش يا دكتور أصلها بصراحة قلقانة أوى ومكنتش عاوزه تيجى علشان يعنى مش عاوزه حد يشوفها

قال بلال وهو ينهض ويتجه إليها قائلا:

– متقلقش يا حاج

وتناول مقعد صغير ووضعه بجوار مقعد الكشف الذى تجلس عليه عبير وما أن جلس عليه أمامها مباشرة وما أن شعرت عبير باقترابه حتى هتفت فجأة:

– مش هكشف ..مش هكشف انا عاوزه امشى ..روحنى يا بابا

هب والدها واقفاً واقترب منها يهدأها بينما قال بلال له:

– لو سمحت يا حاج استنى شوية ..عاوز اتكلم مع الآنسه عبير

أومأ والدها برأسه موافقاً له فاستند بلال بمرفقيه على قدميه وقال لها دون أن ينظر إليها:

– آنسه عبير.. لو سمحتى أهدى علشان اعرف افهمك طبيعة العلاج

غشيت الدموع عينيها ولم ترد , وقالت بصوت متقطع:

– أنا عندى أموت ومفيش راجل يلمسنى

قال بجدية :

– يعنى عمرك ما روحتى لدكتور خالص ؟

قالت بانفعال :

– الحمد لله عمرى ما تعبت إلا ولقيت دكتورة ست .. إلا المرة دى

قال مختبراً :

– اه بس ليه تتكسفى من الدكتور ده شغله يعنى مش أى راجل كده وخلاص

قالت بصوت متقطع من أثر البكاء:

– السيدة عائشة كانت بتشد ملابسها عليها وهى داخله الحجرة اللى ادفن فيها الرسول عليه الصلاة والسلام علشان عمر بن الخطاب كان مدفون جنبه.. يعنى كانت بتستحى من واحد ميت حضرتك بقى مش عاوزنى استحى من راجل عايش لمجرد أنه دكتور

أطرق بلال برأسه ولاحت أبتسامة رضا على شفتيه ثم قال بصوته العذب مطمئناً:

– حالتك أصلا مش محتاجة كشف.. يعنى أنا مكنتش هكشف عليكى اصلا .. زى ما قلتلك حالتك واضحة من الأشعة وكويسة أوى واحب اطمنك العلاج الطبيعى مش هيطول ومش هيحتاج ان راجل يلمسك …ممكن تهدى بقى علشان نعرف نتفاهم

هدأت عبير قليلا وتبادل والدها ووالدتها النظرات القلقة من المرحلة القادمة , نهض بلال واقفاً وأبعد مقعده قليلا وقال بحزم:

– قومى اقفى لو سمحتى

نظرت إلى والدها الذى كان يقف بجوارها ومدت يدها له ليساعدها ولكن بلال أوقفها قائلا:

– لالالا محدش هيساعدك.. أنتِ هتقفى لوحدك

حاولت عبير النهوض وأخيرا نهضت بصعوبة وهى تتألم فقال بابتسامة :

– ماشاء الله مكنتش متوقع تجيبيها لوحدك فى الأول كده

ثم أشار إلى أحد الأجهزة بعيدا وقال:

– شايفة الجهاز ده.. روحى اقعدى على الكرسى اللى جانبه

كانت تمشى بصعوبة بالغة وهى تكتم آلامها بداخلها وأخيرا وصلت إليه وجلست بصعوبة وحدها , أقترب منها وضغط أحد أزرار الجهاز وهو يقول:

– ده جهاز ممتاز أوى لحالتك ..يالا أرفعى رجلك وحطيها هنا تحت النور ده بالظبط ..

فعلت كما أمرها ثم قالت بتوتر:

– على فكرة لو هتقولى تدليك مش هعمله

أبتسم وهو يتجه لمكتبه وقال:

– تدليك ايه بس.. ده موضة قديمة فى العلاج

جلس خلف مكتبه وهو يكتب فى ملفها ميعاد أول الجلسات فقال والدها:

– هو العلاج ده هياخد كام جلسة يا دكتور

بلال :

– السؤال ده لسه شوية عليه يا حاج.. أحنا لسه بنقول يا هادى

*****

وضعت عزة سماعة الهاتف فى يأس ونظرات الحزن تطل من عينيها وتفصح عن نفسها , جلست والدتها بجوارها وهى تقول :

– مش عاوز يكلمك ليه؟؟

ألتفتت عزة لها متعجبةً وقالت:

– هو مين ده يا ماما

– خطيبك

– مين اللى قالك كده يا ماما ده انا لسه كنت …كنت بكلمه أهو

أمسكتها والدتها بكتفها ونظرت لعينيها بقوة قائلة:

– ماهو لو مقولتيش هروح أقول لبوكى وهو بقى يقررك بمعرفته

قالت والدتها هذه الكلمة وهمت بأن تنصرف ولكن عزة أمسكتها من يدها وانحنت تقبل كفها قائلة برجاء:

– لا يا ماما الله يخليكى بلاش تدخلى بابا فى الحكاية

أعتدلت أمها فى جلستها وهى تقول:

– قولى يا عزة ايه اللى حصل بينكوا .. اللى جه يدينى العنوان ده مش عمرو اللى احنا نعرفه ده كأنه واحد تانى وانا متأكدة أنك عملتى مصيبة

أطرقت عزة برأسها و روت لها بخفوت ما حدث وما قالت فى المكالمة الهاتفية التى كانت بينها وبين عمرو , نظرت لها أمها بضيق وقالت بغضب:

– أنتِ يابت غبية ولا مبتفهميش

وضربت على قدمها بانفعال وهى تقول:

– والله أعلم بقى فهم ايه دلوقتى .. ويمكن يروح يقول لأمه على كلامك .. وأمه تيجى تتكلم هنا وتبقى مشكلة

قالت عزة متبرمة:

– هتقول أيه يعنى .. وبعدين هو اللى فهم غلط

قالت أمها بعصبية:

– لاء مفهمش غلط يا عاقلة يا كاملة .. أى عيل صغير يفهم أنك بتبصى لفارس نظرة غير اللى بتبصيها لخطيبك .. ويارب يكون فهم كده وبس والشيطان ميكونش لعب بعقله وفهمه حاجة تانية

هبت واقفة وأمسكتها من يدها بقوة وهى تقول آمره:

– أتفضلى روحى ألبسى علشان نعملهم زيارة ونشوف ميتهم أيه يلا بسرعة.. واسمعى متجبيش سيرة عن حاجة قدام امه .. أتعاملى عادى كأن مفيش حاجة

***

رحبت والدة عمرو بعزة ووالدتها وعانقتهما بحرارة مما جعل والدة عزة تطمئن أن عمرو لم يتكلم معها فى شىء , نهضت والدته وهى تقول بترحاب شديد:

– ثوانى هعمل الشاى وأشوف عمرو صاحى ولا نايم لسه

تبادلت عزة النظرات مع والدتها التى همست لها:

– كده يبقى مقالش حاجة لامه .. اصل أنا عارفاها اللى فى قلبها على لسانها مبتعرفش تخبى

خرج عمرو من غرفته فوقع نظره على عزة ووالدتها تجلس بجوارها, حاول رسم ابتسامة على شفتيه وهو يقول:

– اهلا وسهلا أزى حضرتك يا طنط

ثم قال وكانه يجبر نفسه على الحديث معها قائلا:

– ازيك يا عزة

أبتسمت والدتها وهى تقول له :

– أزيك أنت يا حبيبى أخبار شغلك ايه

جلس دون أن ينظر إليهما وهو يقول:

– الحمد لله تمام

لكزتها أمها فى يدها لتتكلم معه ونظرت لها بحدة فقالت عزة على الفور بصوت ضعيف:

– أزيك يا عمرو

هب واقفاً وهو يقول بجفاء:

– الحمد لله .. طب عن اذنكم بقى علشان عندى مشوار مهم

أوقفته والدتها وهى تقول واقفةً:

– استنى يا عمرو عزة عاوزه تقولك كلمتين

نظرت إلى عزة بضيق وهى تقول :

– قولى لخطيبك اللى انتِ عايزاه على ما أدخل أعمل فنجان القهوة بتاعى مع خالتك يا عزة

تبعتها بنظرها حتى دخلت المطبخ خلف والدته وقالت بأسف :

– عمرو انا آسفه .. أنت والله فهمت غلط

أشاح بوجهه بعيداً ولم يرد , كانت مشاعره متضاربة كالأمواج المتلاطمة , يريد أن يسامحها ويبتسم لها ويمزح معها كما اعتاد ويزيل نظرات الحزن من عينيها ولكنه لم يستطع , طال صمته فقالت بحزن:

– والله ما كان قصدى انا كده متسرعة فى كلامى ومبفكرش فيه الاول قبل ما اقوله

ألتفت إليها حانقاً ونطق بما يعتمل بصدره منذ سنوات وقال:

– أنتِ فعلا مفكرتيش فيه .. أنتِ قلتى اللى فى قلبك يا عزة ..أنتِ عمرك ما هتشوفينى راجل محترم وطبعا بما انى مش محترم فاستحاله اعرف حد محترم .. عارفة ليه علشان عنيكى مش شايفة غير واحد بس ..

قاطعته بلوعة:

– أرجوك اسكت .. متقولش كده انت غلطان والله غلطان

– ماشى أنا غلطان .. بس انا هسألك سؤال واحد .. أنتِ وافقتى على خطوبتى ليه

شعرت بالأرتباك وهى تقول متلعثمة:

– علشان انت شاب كويس ومحترم وجارى واخلاقك كويسة

قال بحدة وبلهجة حاسمة:

– وفين الحب فى كل ده ..أنتِ عمرك ما حبتينى ولا هتحبينى

نظر إلى عينيها بحدة وأشار إلى خاتم الخطبة فى أصبعها وهو يقول:

– الطوق اللى خانقك ده تقدرى تقلعيه فى أى وقت براحتك .. ومتقلقيش محدش هيعرف حاجة .. أحنا كده خلاص

قفزت دمعة من عينيها رغماً عنها وهى تقول بصوت متقطع :

– مش هقلعها يا عمرو

واستدارت وغادرت المكان كله , نظر إلى الفراغ الذى كان يحتله جسدها منذ قليل وهو غير مصدق الكلمات التى خرجت من فمه , والدموع التى انسابت من عينيها بسببه, كل شىء كان له سبب فى عقله , كلامها ورجائها وغضبه منها إلا شىء واحد .. عبراتها !.. دخل غرفته وأغلق الباب بقوة وهوى إلى فراشه غضبان أسفا , يلعن القلب الذى مازال يحبها رغم علمه أنها تحب غيره , ضرب الفراش بقبضته ومد يده يخلع الطوق الذى يحيط بأصبعه والذى شعر أنه يطوق عنقه ويخنقه هو أيضا ويمنع عنه الهواء.

*
***

خرجت والدة دنيا من غرفتها ليلا وهى فى طريقها إلى الحمام مروراً بغرفة ابنتها سمعت صوت يشبه الهمس آتى من الداخل , نظرت للباب بانتباه ودهشة واقتربت ببطء ووضعت أذنها عليه لتستمع لما يدور بالداخل , خفق قلبها وهى تستمع لابنتها تقول بتوتر :

– لا يا أستاذ باسم مينفعش كده حضرتك كده زودتها أوى ..أنا قلتلك كتير قبل كده انى محبش الكلام ده.. وبعدين انا كل ما احاول افاتحه فى الموضوع بتراجع ..أنا متأكدة أن فارس مش هيوافق وهيعملى مشاكل كتير.. إذا كنت متجرأتش أقوله على حكاية الموبايل دى لحد دلوقتى

وقفت والدتها تفكر ماذا تفعل :

– هل تدخل تسألها ماذا يحدث أم تتركها للصباح , ترددت قليلا ولكنها لم تستطع أن تمنع نفسها حينما سمعتها تقول:

– لا يا أستاذ باسم انا عمرى ما ارضى ابقى زوجة تانية أبدا.. وكمان عرفى .. ليه يعنى أعمل فى نفسى كده ليه

فتحت أمها الباب فجأة فوقع الهاتف من يدها وهى تنظر إليها بخوف, أقتربت منها أمها وقالت بسخط:

– مين باسم ده يا دنيا

أرتبكت دنيا وتلعثمت وهى تقول :

– فى ايه يا ماما مالك كده

أقتربت أمها منها أكثر وتناولت الهاتف قائلة بغضب:

– أنا مش هالوم عليكى.. أنا اللى معرفتش اربيكى من الأول

أخذت الهاتف معها وخرجت من غرفة دنيا , دخلت غرفتها واطمئنت أن زوجها نائماً نظرت للهاتف بحيرة ممزوجة بالغضب ثم وضعته فى خزانة ملابسها الخاصة وأحكمت غلقه بالمفتاح الخاص به وجلست على طرف الفراش بجوار زوجها الذى قد سكن جسده بجوارها

جلست دنيا منكمشة فى فراشها تفكر فى رد فعل والدتها وماذا ستفعل بها , لم تمضى الساعة حتى دخلت عليها والدتها مرة أخرى ولكنها كانت فى حالة انهيار شديد ودموعها تملأ وجهها وهى تصرخ بها :

– أبوكى مات يا دنيا..أبوكى مات

***

وقف فارس أمام باب شقة دنيا يأخذ عزاء والدها بجوار خالها وأولاده , أما ودنيا ووالدتها تجلس مع النساء فى الداخل , أنتهى العزاء وغادر المعزيين وجلس فارس أمامه لا يدرى ما يقول , الموقف فى منتهى الصعوبة لا يحتمل أى كلمات , يرى دنيا تدفن رأسها بين أيديها وتذرف العبرات من عينيها ووالدتها تجلس فى حزن وكأنها قد زاد عمرها أضعافاً وأنحنى ظهرها وكأنه يستعد لحمل المسؤلية من بعد والدها وعينيها شاردة وملامحها واجمة تستمع إلى كلمات المواساة من أخيها وعمة دنيا وأبنائهم ولا يظهر عليها أى رد فعل تجاهها , رفعت رأسها ببطء ونظرت إلى فارس نظرة طويلة أندهش لها فارس قليلا ولكنه تعجب أكثر حينما نهضت بوهن وقالت وهى تشير له:

– من فضلك عاوزاك لحظة يا فارس يابنى

أبتعدت قليلا عن الجالسين معهم وتبعها هو فى صمت ثم الفتت إليه بجسدها كله ونظرت إليه بشرود وهى تقول:

– أنا يابنى عاوزه منك خدمة وعارفة انك مش هترفضلى طلب

ثم أردفت فى حزن:

– انا عارفة أن الكلام ده مش وقته ولا مكانه ومش عاوزاك تستغرب

نظر إليها باهتمام فتابعت برجاء:

– أنا عاوزاك تكتب كتابك على دنيا فى أقرب وقت

***

نظرت له والدته بدهشة وهتفت :

– أزاى أمها تطلب طلب زى ده يابنى وجوزها لسه مدفون

قال فارس بحيرة كبيرة:

– مش عارف يا ماما .. بتقول أنها خايفة على دنيا وخصوصا ان قرايبهم طول عمرهم بعيد عنهم يعنى لو حصلها حاجة دنيا هتبقى لوحدها

نظرت له والدته بتمعن وقالت بشك:

– مش عارفة يابنى مش مطمنة للموضوع ده …طب كانت تستنى للأربعين حتى

أبتسم فارس وهو يقول :

أربعين ايه بس يا ماما ..مفيش حاجة فى الدين اسمها اربعين وخميس وسنوية كل ده بدع

أتسعت عيناها وهى تقول:

– ازاى يابنى لا فى طبعا …طب حتى اسأل صاحبك بلال

أبتسم فارس مرة أخرى وهو يربط على يد أمه بحنان ويقول:

– أنتِ تعرفى يا ماما الناس جابت حكاية الأربعين دى منين…؟؟

– منين يابنى ؟

– زمان الفراعنة كانوا بيقعدوا يحنطوا الميتين بتوعهم أربعين يوم وفى اليوم الأربعين بيقفلوا عليه وبيفتكروا أن روحه رجعتلوا تانى ودخلت جسمه وهو قام بقى ولبس الدهب بتاعه وكل الاكل اللى سابينه جانبه.. وبعدين بقى روحه تلف على حبايبه وأهله فلازم يشوف عزا وحداد وإلا هيغضب عليهم ويتحول لروح شريرة

قال فارس كلمته الأخيرة وضحك بشدة وهو يقول:

– كويس ان مُهرة مش موجودة

وتابع ضحكاته الخافتة وهو يردف :

والحكاية بقى دخلت بعد كده فى خرافات والناس نقلوها لبعض جيل ورا جيل لحد ما بقت حاجة عادية .. لكن فى الشرع عندنا الميت بيقوم فى القبر يتحاسب على عمله فى الدنيا مش بيقوم يلبس دهب وياكل ويشرب وروحه تخرج تتفسح شوية

مطت والدته شفتاها وقالت باستغراب:

– والله يابنى ما كنت أعرف بس كويس أنك نبهتنى.. وعموما يعنى دور كلام أمها فى دماغك كويس واستخير ربنا

نهض فارس بارهاق وهو يقول:

– حاضر يا ماما ..انا كده ولا كده مستنى رد دنيا لأنها لسه متعرفش .. أمها قالتلى أنها لسه مفتحتهاش فى الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!