بقلم دعاء عبدالرحمن -2

انت في الصفحة 2 من 13 صفحات

الفصل الثانية عشر

أنهى باسم جميع متعلقاته فى مكتب الدكتور حمدى مهران وتركه نهائياً وأخذ معه حسن للعمل معه فى مكتبه الخاص, وفى نفس اليوم دخل الدكتور حمدى المكتب ولكنه لم يذهب مباشرة إلى مكتبه وانما مر بالحجرة الأخرى الخاصة بـ فارس , أطل برأسه وقال موجهاً حديثه لفارس:

– تعالى يا فارس شوية عايزك

نهض فارس واقفاً وذهب خلف الدكتور حمدى ودخل حجرة مكتب الدكتور حمدى خلفه وسمعه يقول وهو يجلس خلف مكتبه:

– أقفل الباب وراك يا فارس

أغلق فارس الباب خلفه وجلس قبالته وهو ينظر إليه باهتمام وهو يتوقع التكليف بقضية مهمة من ضمن القضايا التى يكلفه بها ولكنه فوجىْ به يقول:

– أنت هتمسك أدارة المكتب مكان الأستاذ باسم

أتسعت عيناه دهشة فهو لم يكن يتوقع أن تسند إليه مثل هذه المهمة وفى هذا التوقيت المبكر وقال:

– ايوا يا دكتور بس ..

قاطعه الدكتور حمدى قائلا بجدية :

– متقلقش من حاجة.. الموضوع أصلا مش محتاج حاجة يعنى مش مسؤلية زى ما انت فاهم .. وبعدين القضايا مبقتش كتير زى ما انت شايف

أطرق فارس برأسه لبرهة من الوقت صمت خلالها يفكر ثم رفع رأسه وقال:

– بس أنا مش اقدم واحد فى المكتب فى ناس أقدم مني

أبتسم الدكتور حمدى وهو يقول بثقة:

– بس انا بثق فيك انت

ثم نظر أمامه وشرد قليلا وهو يقول:

– وبعدين انا بحضرك لحاجة كبيرة بس مش دلوقتى

حاول فارس أن يتكلم متسائلا عن الأمر ولكنه قاطعه مرة أخرى قائلا:

– أخبار الماجستير أية

فكر فارس قليلاً وكأنها يجمع الأوراق أمام عينيه وقال:

– مش أقل من سنة يا دكتور

هز رأسه مبتسماً وهو يقول:

– طب يالا بقى على مكتبك الجديد

خرج فارس من حجرة الدكتور حمدى بمشاعر مضطربة ما بين السعادة والخوف من المسؤلية الكبيرة التى ألقاها أستاذه على كاهله ووجد نفسه يهتف داخله متضرعاً:

– يارب وفقنى أنا محتاجلك أوى يارب

دخل حجرته فوجد دنيا تنتظره ونهضت على الفور متسائلة:

– خير يا فارس الدكتور كان عاوزك ليه

أبتسم فارس وهو يأخذ نفساً عميقا ثم قال:

– الدكتور كلفنى بأدارة المكتب بدل الأستاذ باسم

شهقت دنيا فرحاً وهى تضع كفيها على وجنتيها وهتفت بسعادة:

– معقول .. ألف مبروك يا حبيبى

كان قد انتهى من جمع بعض أوراقه وقبل أن يخرج توقف وقد تذكر شيئاً ذات أهمية وقال:

– لو سمحتى يا دنيا تعالي كمان ساعة كده.. عاوزك ضرورى

أبتسمت دنيا وهى تتابعه وهو يخرج من الحجرة بينما توجهت نورا خلفه لتهنئه , طرقت الباب ودخلت عندما سمعته يعطى الأذن بالدخول , وقفت عند حافة الباب المفتوح تهنئه فشكرها بابتسامة هادئة وقد كان يتوقع أن تغادر ولكنه وجدها تقف فى حيرة من أمرها لا تدرى ماذا تقول , فقال فارس بهدوء لا يخلو من الدهشة:

– فى حاجة يا أستاذة نورا؟

تقدمت للداخل وبحركة تلقائية كادت أن تغلق الباب ولكنه استوقفها قائلا:

– لو سمحتى سيبى الباب مفتوح

أومأت برأسها وجلست قبالته وقالت بتوتر:

– أستاذ فارس ..أنا عارفة انك مشغول أوى بس انا.. أنا بجد مخنوقة أوى ومحتاجة اتكلم معاك

ترك فارس مافى يده من ملفات وقال ببطء متسائلا:

– خير فى حاجة مضايقاكى .. فى الشغل

قال كلمته الأخيرة تلك وهو يضغط حروفها بتعمد فرفعت نظرها إليه متعجبة وقالت باستنكار:

– أنت كنت بتسمع لمشاكلى كلها وبتحاول تلاقيلى حل مهما كانت نوع المشاكل دى

أستند فارس إلى سطح المكتب وهو ينظر لكفيه ويقول :

– عارف يا أستاذة نورا.. بس انا عرفت ان ده كان غلط .. مش غلط انى أحل لك مشاكلك ..لكن الغلط فى حد ذاته أنى أخلى زميلة ليا تشوفنى على أنى سوبر مان اللى مفيش مشكلة بتقف قدامه .. أنتِ أغلب مشاكلك متعلقة بخطيبك وبعلاقتكم مع بعض وخصوصا المشاكل العاطفية بيتهيألى لو حكيتى لبنت زيك هيكون أفضل وهنسد باب الفتن دى من أولها لآخرها

قطبت جبينها وقالت فى حرج :

– أنت عمرك ما قلتلى كلمة فيها تجاوز.. ليه تقول كلمة فتن

أبتسم فارس وهو مازال غاضا لبصره عنها:

– مكنتش بقول ..بس الشيطان مش هيسيبك فى حالك .. هيفتحلك ألف باب وباب .. ويهيألِك انى محصلتش فى الناحية العاطفية .. والحقيقة انى بشر زى أى بشر.. بغلط وبتوب بتكلم حلو ووحش زى كل الناس .. لكن لما بنشوف المشكلة من بره بيبقى حكمنا وطريقة كلامنا غير اللى عاشها فعلا

وقفت وهى تقول بحنق وقد شعرت بكلماته تغوص بداخلها لتخرج ما به من انفعالات وقالت بضيق شديد:

– متشكرة أوى يا أستاذ فارس على تنبيهك ده ..عن أذنك

خرجت من حجرته حانقةَ عليه وعلى نفسها , دخلت لتتوضأ وعادت لحجرتها فى المكتب لتصلى فى أحد أركانه وتلكأت فى جلستها حتى نهضت دنيا ودلفت إلى مكتب فارس, وبنفس الطريقة أشار لها أن تبقى الباب مفتوحا, جلست أمامه فى سعادة بالغة وهى تقول:

– مبروك مرة تانية يا حبيبى تستاهلها بجد

أخذ نفساً عميقا وهو يغمض عينيه وزفر فى بطء وهدوء ثم قال:

– دنيا .. أولا متنسيش اننا لسه مخطوبين

مطت شفتاها بتبرم وهى تقول:

– وثانيا ؟

قال على الفور:

– لبسك بقى ملفت للنظر أوى يا دنيا

صاحت فى غضب وهى تهب واقفة:

– ما تقولى ألبسى خيمة أحسن

– أنتِ زعلانه انى بغير عليكى وعاوز لبسك يبقى محتشم أكتر من كدة ؟

تبرمت فى حنق وجلست مرة أخرى ولم ترد أو بمعنى أصح تقلب الأمر فى رأسها , صمتت قليلا ثم قالت:

– طيب سيبنى بس لما اقبض علشان اعرف اشترى لبس يرضيك

أبتسم لموافقتها ثم أخرج بعض المال وقدمه لها قائلا:

– معلش ده مبلغ بسيط .. بس هيكفى ان شاء الله تجيبى طقم بسيط كده على ما نقبض

نظرت للمال ثم نظرت إليه بضيق وهى تقول:

– حتى الكام يوم مش عاوز تسيبنى براحتى فيهم وبعدين شكرا يا سيدى هاخد فلوس من بابا

– أومال ليه بتقوليلى استنى لما اقبض

زفرت فى غضب هاتفةً:

– يووه بقى يا فارس .. حاضر حـــااضر

***

جلست نورا على مقعدها خلف مكتبها وهى تدفن رأسها بين كفيها وتستعيد كلمات فارس الذى ألقاها عليها منذ قليل كمن يلقى دلواً باردا فى ليل الشتاء القارص على قلبها بلا رحمة أو شفقة, ولم تعد تدرى اهو يقصد صالحها كما قال , أم يتهرب منها ومن مشاكلها التى غطت أذنيه منذ عملهما معاً , كانت تريد أن تختلى بنفسها قليلا بعيد عن أعين الناس , نهضت وأخذت حقيبتها وبدون أن تستأذن للأنصراف خطت بسرعة خارج المكتب مسرعة لا تعبأ بالسؤال عنها حين ملاحظة غيابها , كانت مرتبكة قلقة تتردد كلماته على قلبها قبل عقلها فحثت السير أكثر كأن شبحا يطاردها.

تقوقعت نورا فى فراشها وهى تحتضن قدميها إلى صدرها وتفكر فيما قاله لها اليوم وتفكر فيه بعمق وتحادث نفسها قائلة:

– مش عارفه معاه حق ولا لاء .. أنا فعلا فى الأول كنت بتكلم معاه على أنه زميلى وبس لكن مع كل مشكلة كان بيحلهالى كنت بحس أنه هو ده اللى بدور عليه ..وكنت بندم على أنى مقابلتوش قبل خطيبى وقبل ما نكتب الكتاب

أستلقت على أحدى جنبيها وألقت رأسها على الوسادة وهى تفكر فى حل لما وقعت فيه بدون أرادة منها وقالت بضيق :

– ياريتنى كنت حكيت لبنت زيى على الأقل كنت هفضفض معاها من غير ما يحصل اللى حصل ده جوايا

تململت فى الفراش كتململ العصفور المبلل بماء المطر حتى استسلمت للنوم وقد قررت أن تقف مع نفسها بحسم وتصرف عن قلبها صورة فارس الهُلامية التى صنعتها له بيديها, صورة الرجل الذى لا يخطىء أبدا , وتضع مكانها صورة خطيبها وحبه لها لتجعل منه مددا لها لعلها تفيق مما هى فيه وتشعر بهذا الرجل الذى أهملته كثيرا بأوهامها السابقة.

****

كان فارس يجلس بمكتبه حين سمع جلبة بالخارج , حرك جسده قليلا وهو يحاول النظر من الباب المفتوح أمامه فرأى رجلاً يصيح بعصبية قائلا:

– ده مش أسلوب معاملة.. أومال مكتب كبير واسم كبير وخلاص .. وكل ده على الفاضى ومش عارفين تخلصولى حتة قضية يخلصها محامى صغير

هب فارس ناهضا وأثناء خروجه وجد الدكتور حمدى يدخل حجرة مكتبه ويغلق الباب فى وجه الرجل بحدة مما جعل الرجل يشتعل غضبا أكثر ودنيا ونورا يتابعان ما يحدث عن كثب وبعض المحامين يحاولون التحدث للرجل للرحيل بسلام ودون أثارة المشاكل ولكن كان منفعلاً بشدة فلم يستجب لأحد , حاول فارس تهدأته وعرض عليه الجلوس فى مكتبه ليتفاهم معه ومحاولة أصلاح الأمر بصفته مدير المكتب , أستجاب الرجل ودخل حجرة فارس

جلس فارس أمامه على المقعد المقابل له ولم يجلس خلف مكتبه ليستطيع التعامل معه ومع انفعاله وهو يقول :

– أهدى بس حضرتك وقولى أيه الحكاية بالظبط

هدأ الرجل قليلا ثم قال متهكماً:

– حتة قضية شرعى صغيرة قد كده.. يخلصها أى محامى صغير ..جيت للدكتور بتاعكوا وقلت أسم وسمعه وهيخلصها قوام قوام.. لقيته بيرمى الملف ويقولى شفلك محامى غيرى وطردنى من مكتبه

قام فارس بتهدأته مرة أخرى ثم قال:

– ممكن الملف بعد أذنك

أستند فارس لظهر مقعده وهو يقلب فيه سريعاً ثم قال بدهشة:

– والدكتور رفض القضية ليه .. دى قضية طلاق عادية جدا

قال الرجل متهكما:

– أديك قلت.. قضية طلاق عادية جدا ..

مال فارس للأمام وهو يتفحص الرجل وقال بجدية وهو يتكأ بمرفقيه على ساقيه والملف بين يديه:

– ممكن حضرتك بس تجبلى الموضوع من الأول كده علشان افهم واقدر افيدك

– طلقت مراتى وراحت بيت ابوها بالعيال ..رفعت عليا قضية نفقة ليها وللعيال ومؤخر بقى وقايمة والذى منه

حثه فارس على المتابعة قائلا:

– وبعدين

– ولا قابلين .. واحد صاحبى ليه تجربة فى الموضوع ده قبل كده … شار عليا أنى لو قلت عليها انها ماشيها بطال وجبت شهود وأدله على كده كل حقوقها هتسقط ومش هيبقى ليها حاجة عندى غير نفقة العيال بس

قطب فارس جبينه بشدة وقال مستفهماً:

– وأنت فعلا عندك شهود على كده

ضحك الرجل بسخرية ثم قال:

– أهم مرمين على القهوة قدام المحكمة مش لاقين شغلانة .. كل واحد عشرين جنية و تحفظه كلمتين وخلصت خلاص

شعر فارس بالدماء تغلى فى رأسه ولكنه حاول ضبط أعصابه والتحكم بها وهو يقول:

– شهود زور يعنى ؟!!

– زور ولا مش زور .. المهم الوليه دى متخدش منى حاجة إلا بمزاجى

صمت فارس قليلا ثم قال بعد تفكير:

– وتقبل أن مراتك ام ولادك سمعتها وشرفها يبقى في بؤ كل واحد شوية وانت عارف ومتأكد أنها ست شريفة وكل ده علشان ايه ..علشان خاطر انت مش عاوز تديها حقوقها اللى ربنا أمرك بيها وأستحلتها كزوجة بعد ما وافقت عليها ومضيت على كده

زفر الرجل فى ضيق وهتف به:

– بقولك ايه يا أستاذ انا مش جاى هنا اسمع مواعظ ..هما كلمتين هتظبطلى القضية دى ولا مش هتعرف

ثم أردف مسرعاً :

– ولو وافقت ليك عليا هتعامل معاك من بره بره من غير الدكتور بتاعك ما يعرف وأتعابك هتبقى ليك لوحدك …ها قلت ايه

أبتسم فارس وهو يقول:

– قلت أن حضرتك مقرتش اليافطة اللى على المكتب بره كويس …ده مكتب محاماة مش شقة دعارة

نظر له الرجل بدهشة وقد بدت علامات العبوس على وجهه فتابع فارس قائلا:

– أه والله مش مصدق ولا ايه …ماهوأنا لو وافقت على اللى بتقوله يبقى مراتك دخلت عندنا شريفة وطلعت من عندنا مشيها بطال …تبقى شقة دعارة ولا لاء

ثم هب واقفاً وهو ينظر للرجل باحتقار وقال بهدوء:

– أتفضل حضرتك شوفلك حد تانى يلوث سمعت ام ولادك .. ولو كمان كسبت القضية تبقى علمت على عيالك انهم ولاد حرام وفضحتهم قدام الناس كلها وضيعت مستقبلهم.. وكمان بقى عندك بنات شوف مين اللى هيبصلهم بعد كده.. وخلى بالك انت كده بتقذفها فى شرفها وكمان بشهود زور.. يعنى حسابك عند ربنا مش بس عقوبة القذف لالا دى كمان شهادة زور والتحريض على شهادة الزور

وغمزله بعينيه وهو يتابع:

– يعنى حسابك هيتقل أوى يا باشا وبلُغة القانون الوضعى ..أعدام .. والأعدام بتاع الآخرة ..على جنهم عدل

ظل الرجل ينظر لفارس ويحدق به وهو يتحدث حتى انتهى من حديثه ثم جذب الملف من يده وهو يشعر بالتوتر من كلماته والإرتباك وقال متلعثماً وهو يغادر بسرعة :

– أنا مش فاهم .. مكتب محاماة ده ولا جامع

أنصرف الرجل وجلس فارس خلف مكتبه وهو يضع رأسه بين كفيه قائلا بأسى:

– لا حول ولا قوة الا بالله .. معقول توصل للدرجة دى

دخلت دنيا مسرعة وقالت بلهفة:

– أيوا كده يا فارس هو ده الشغل ..ها ظبطت الراجل وهتشتغلها لحسابك صح ..؟؟

رفع رأسه إليها وهو يقول بحزن:

– لاء طبعا يا دنيا اصلك متعرفيش الراجل ده كان عاوز ايه

قطبت جبينها وقالت ضيق:

– ليه يا فارس ليه.. دى فرصة جات لحد عندنا كنت هتطلعلك منها بكام ألف

أبتسم ساخرا وهو يقول:

– حتى لو كانوا كام ألف حرام

صمتت وهى تنظر إليه بدهشة ودخلت نورا لتخبره أن الدكتور حمدى يطلبه ولكنه لم ينتبه لها وهو يقول:

– الراجل طلق مراته وعاوز يدعى عليها انها ماشيها بطال علشان ميديهاش حقها لاء وكمان هيجيب شهود زور على كده ..

وهز رأسه متهكما وهو يقول:

– لاء ويقولى خد القضية لحسابك …فاكرنى على آخر الزمن هاكل حرام

صمتت دنيا تفكر فى كلماته فبرغم شعورها بالحنق تجاه رفضه للقضية إلا أنها لم تستطع أخفاء شعورها بالأعجاب تجاهه , لم تكن هى الوحيدة التى أعجبت به , بل كانت نورا أيضا التى كانت تقف تنظر إليه باحترام شديد , حانت منه التفاتة إليها انتزعتها من أفكارها وقالت بسرعة:

– الدكتور حمدى عاوزك فى مكتبه

***

نظر فارس إلى وجه الدكتور حمدى فوجده مازال محتقنا بالدماء من كثرة غضبه وانفعاله فقال:

– أهدى يا دكتور الراجل مشى خلاص

قال الدكتور حمدى بعصبية وهو يضرب سطح المكتب بقبضته :

– شفت الراجل الوقح ده كان عاوز ايه

أومأ فارس مجيبا وهو يقول:

– أيوا يا دكتور وعموما أنا اديته اللى فيه النصيب ومشى

نظر إليه حمدى مستفهما فقال فارس:

– أديته كلمتين فى عضمه يمكن يفوقوه ويفكروه ان فى آخره وعذاب وحساب من ربنا

ضرب حمدى كفيه ببعضهما وهو يهتف متعجباً:

– لاء ومش دى المصيبة يا فارس .. المصيبة أنى كنت فاكر انى مشغل معايا ناس عندهم ضمير لكن للأسف الكام محامى اللى شفتهم بره بيهدوه كانوا موجودين ويقولولى وفيها ايه يا دكتور ده شغل ..تخيل يا فارس انا على أخر الزمن اشتغل بالطريقة دى

نهض فارس واقفا بقلق وهو يقول:

– أنا هروح اجيب لحضرتك كوباية ماية

أشار إليه حمدى مستوقفاً أياه وهو يقول:

– لا متقلقش يا فارس..أنا خلاص هديت وبقيت كويس متقلقش

ثم زفر وهو يعيد ظهره إلى الوراء ويستند إلى ظهر كرسيه وهو ينظر لفارس قائلا :

– الحمد لله أنا كده اتأكدت أنى اخترت صح من الأول

***

أنتهت نورا من عملها وانصرفت من المكتب , وما إن هبطت للأسفل حتى وجدت خطيبها رامى ينتظرها أمام البناية داخل سيارته الصغيرة , أبتسمت ابتسامة صغيرة واستقلت السيارة بجواره فانطلق بها وهو يقول:

– وحشتينى يا نورا .. شكلك مرهق أوى النهاردة

نظرت له وقد بدا عليها الإرهاق بشدة وهى تقول:

– ما أانت عارف يا رامى شغلنا متعب أزاى

– أنا مش عارف أيه اللى جابرك على كده .. منا قلتلك كفاية بقى من زمان بس انتِ اللى مصممة تشتغلى مش عارف ليه ..كان يتوقع أن تتكلم بحدة كعادتها عندما تأتى سيرة عملها ولكنها هذه المرة قابلت الحديث بصمت وهى تستند برأسها للخلف وتقول:

– هبقى افكر فى الموضوع ده تانى

أغمضت عينيها باسترخاء ولكن فجأة فتحتهما وكأنها تذكرت شيئا وقالت باهتمام:

– عاوزة آخد رأيك فى حاجة مهمة

– قولى يا نورا انا سامعك

قصت عليه ماحدث فى المكتب اليوم من شد وجذب مع هذا الرجل ولكنها لم تذكر له رد فعل فارس واكتفت بما فعله الدكتور حمدى ثم قالت تختبره:

– أنت أيه رايك يا رامى.. لو كان الراجل ده عرض عليا القضية أشتغلها لحسابى أوافق ولا لاء ؟؟

قال بسرعة وبدون تفكير:

– لاء طبعا ده راجل معندوش دم ولا ضمير.. كويس أن الدكتور حمدى طرده بس .. ده لو كنت انا كنت طبقت فى زمارة رقبته

قالت ببطء:

– حتى لو كان هيدفعلى الفلوس اللى انا عاوزاها

قال بضجر:

– حتى لو كان هيدفع مال قارون دى هتبقى فلوس حرام

أبتسمت نورا وهى تسترخى بجسدها بالكامل للوراء وتسائلت , لماذا إذن لم تكن ترى خطيبها يحمل تلك المشاعر النبيلة والضمير اليقظ من قبل ,هل لأنها لم ترى إلا فارس فقط أم لأنها كانت تحكم على رامى مسبقا دون أن تعرف شيئا عنه أو تحتك به عن قرب كما كان يحدث هذا يوميا مع فارس , تعددت الأسباب والحكم واحد فى النهاية , لا تعلم لماذا بدت صورة فارس أمام عينيها تتلاشى لتحل محلاها صورة رامى الجالس بجانبها خلف عجلة القيادة , حانت منه التفاتة إليها فرأى نظرات الحب التى لم يرها أبدا فى عينيها منذ أن عقد قرانها , فأوقف السيارة جانبا وظل ينظر إليها بحب وشوق لتلك النظرة المطلة من عينيها , فقالت :

– وقفت العربية ليه يا رامى

– أبتسم وهو يقول:

– أصل انا معرفش أحب واسوق فى نفس الوقت بصراحة

***

عاد فارس لمنزله سريعاَ بعد صلاة الظهر ليلحق بميعاد الغذاء مع والدته حتى لا تأكل وحدها وهو ما يزال مشدوها مما حدث يوم أمس فى المكتب ومما سمع من هذا الرجل , ربتت والدته على رأسه بحنان وهى تهم بالجلوس بجواره حول مائدة الطعام , نظر لها بابتسامتة العذبة فقالت:

– مالك يابنى من ساعة ما رجعت وانت سرحان وبالك مشغول

ما كادت أن تنهى عبارتها حتى سمعت طرقاً على باب الشقة , نهض فارس سريعاً واتجه ليفتح الباب فوجد أم يحيى أمامه ويبدو عليها علامات العجلة والتوتر وقالت:

– أسفه والله يا أستاذ فارس هى الست ام فارس موجودة

نادتها أم فارس من الداخل فأفسح لها فارس المجال للدخول ولكنها اكتفت بأن تطل برأسها وهى تقول :

– معلش يا ست ام فارس أصل اختى تعبانة شوية ولازم اروحلها دلوقتى

نهضت أم فارس واقتربت منها فقالت بحرج:

– ممكن بس لو مُهرة نزلتلك تخليها عندك لحد ما ارجع.. أصلها عليها واجبات كتير النهاردة ومكنش ينفع اخدها معايا

تدخل فارس قائلا:

– هى لوحدها فوق ولا يحيى معاها

قالت بحرج:

– لا أصل يحيى عنده درس دلوقتى ومعاه زمايله فوق .. وانا سبتها معاهم لحد ما ارجع بس ممكن تضايق لوحدها ولا حاجة .. فلو نزلت معلش يعنى استحمليها لحد ما ارجع .. أنا مش هتأخر ان شاء الله

قاطعها فارس مرة أخرى وقال مؤنباً أياها:

– معقول يا ام يحيى.. سايباها مع شباب لوحدها فوق وكمان المدرس اللى معاهم كده ينفع يعنى

ضحكت أم يحيى وهى تقول:

– شباب أيه بس يا أستاذ فارس .. دول شوية عيال فى ثانوى وهى مقروضة زى ما انت عارف .. وبعدين مفيش حد غريب ده يحيى معاه محمود أخو البشمهندس عمرو ومعاهم أتنين من زمايلهم فى المدرسة

رفع فارس حاجبيه وقال متهكماً:

– شوية عيال ! .. والله انتِ غلبانة يا ست ام يحيى .. ده محمود ده بالذات عاكسها قدامى فى خطوبة عمرو وجيت اكلمه مهموش وعاد نفس الكلام قدامى .. مابالك بقى بالاتنين التانين

تدخلت أم فارس قائلة :

– خلاص روحى انتِ وانا هبقى اطلع اجيبها

أنصرفت أم يحيى سريعاً وهبطت الدرج على عجلة منها وهمت أم فارس أن تغلق الباب ولكنه استوقفها قائلا:

– أستنى يا ماما لما اطلع اجيبها الأول

قالت بدهشة:

– أتغدى طيب وبعدين انا هبقى اطلع اجيبها

قال وهو يخرج من الباب ويتجه إلى السلم :

– معلش يا ماما هجيبها الأول واهى تتغدى معانا بالمرة

صعد فارس للطابق التالى لهم وطرق الباب ففتح له يحيى وابتسم عندما رآه قائلا:

– أبيه فارس أتفضل

دخل فارس وهو يضع ذراعه على كتفه بود قائلا:

– ها عامل أيه فى المذاكرة

– المستر لسه مجاش.. اتأخر النهاردة وانا قاعد اهو بخلص الواجب اللى كان مديهولنا فى المدرسة

نظر فارس حوله وهو يحدثه , فوجد زملائه يعبثان أمام قنوات التلفاز ويتضاحان بشكل عشوائى ومحمود يقف فى الشرفة يضايق مُهرة كالعادة وهى ممسكة بدميتها المفضلة باربى هدية فارس لها , أشار له فارس باتجاه محمود وقال بغضب:

– أزاى امك تأمنك على اختك وسايب صاحبك واقف يكلمها كده ويضايقها

سمعت مُهرة صوت فارس فأقبلت مسرعة باتجاهه ضاحكة بينما كان يحيى يقول:

– مانا مخلى بإلى منها يا أبيه هو انا عملت حاجة.. وبعدين دى تضايق بلد بحالها

زفر فارس بضيق وقال ليحيى :

– طب خلص الدرس بتاعك وبعدين هبقى اقعد اتكلم معاك فى الحكاية دى بعدين وافهمك

ثم التفت لمهُرة قائلا:

– يالا روحى هاتى شنطة المدرسة علشان تنزلى معايا

أخذها فارس وهبط بها لشقته ووجد والدته تعد لها صحنها التى تحب أن تأكل فيه فابتسمت عندما رأتها بصحبته , ألتف ثلاثتهم حول المائدة وهو يقول :

– كويس انى طلعت على طول

نظرت له والدته متسائله فقال:

– لو سمحتى يا ماما مُهرة تفضل معاكِ معظم اليوم زى ما كانت الأول .. أنا كده هبقى فى الشغل ودماغى بتلف

بعد انتهاء الغذاء أعد فارس الشاى ووضعه أمام والدته على الطاولة المواجهة لمقعدها بينما جلس هو على الأريكة واستندت مُهرة بظهرها إلى أريكته وهى على الأرض بجوار ساقه وتضع كراستها فوق ركبتيها وهى تحل أحد المسائل الحسابية فقالت لها أم فارس:

– يابنتى ما تقعدى على الترابيزة حد يذاكر كده ..هتتعبى

قالت مُهرة دون أن تنظر إليها بحب اذاكر كده يا طنطى

ألتفت فارس إلى والدته وقال:

– سيبيها يا ماما ما انتِ عارفاها دماغها ناشفة

نظرت له والدته وقالت:

– على فكرة .. أنا منستش أنك كنت سرحان وبالك مشغول ..خدتنى فى دوكه فى موضوع مُهرة ده .. قولى مالك

تناول فارس كوب الشاى الخاص به وأخذ منه رشفة صغيرة وقال فارس متعجباً :

– تخيلى يا ماما واحد جالنا المكتب فقضية طلاق ..ومش هتصدقى كان عاوز ايه

قالت والدته بفضول واهتمام وهى تضيق عينيها:

– كان عاوز ايه يابنى

قص عليها تفاصيل ماحدث بينه وبينه الرجل والحوار الذى دار بينهما وما سمعه من الدكتور حمدى عقب خروج الرجل من عنده فقالت وهى تهز رأسها بحزن :

– ومالك يابنى مستغرب كده ليه ده بقى عادى خلاص ..سيرة الناس بقت لبانه فى بؤ كل واحد شوية من غير خشى ولا ضمير.. بالكدب بقى بالباطل مش هتفرق .. ده حتى لو العيوب دى فيه فعلا تبقى غيبة

رفعت مُهرة رأسها من بين كتبها وقالت:

– يعنى لو واحدة صاحبتى قالت عليا لواحدة صاحبتى تانية أن انا أوزعة .. يبقى كده حرام صح يا فارس

نظرا إليها كل من فارس ووالدتها متعجبين وقالت أم فارس :

– أيه ده .. أنتِ واخدة بالك من الكلام وانا اللى فاكراكى غلبانة

ضحك فارس ووجه كلامه لمُهرة قائلا:

صح يا مُهرة وهحكيلك بقى حكاية علشان تفضلى فاكرة الموضوع ده فى دماغك على طول بما أنك بتحبى الحكايات

جلست مُهرة فى انتباه وهى تستمع إليه فقال:

– بصى يا ستى كان مرة الرسول عليه الصلاة والسلام ماشى وكان فى ناس ماشيين وراه بيتكلموا على واحد مش موجود كلام مش كويس .. الرسول عليه الصلاة والسلام شاف حمار ميت مرمى فى الطريق …عمل أيه بقى الرسول علشان يعلمهم براحة

شاور على الحمار الميت ده وقالهم ياكلوا منه… وبعد ما الناس استغربت وقالوا ازاى هناكل حمار ميت .. الرسول قالهم لو كنتم أكلتم لحم الحمار الميت ده أهون من أنكم تتكلموا على أخيكم وتتكلموا عليه كلام هو ميحبش حد يقولوا عليه

يعنى يا مُهرة لو لقيتى حد بيتكلم على حد بحاجات هو ميحبهاش فى نفسه أتخيلى كده أنهم قاعدين ياكلوا لحم حمار ميت

وضعت مُهرة يدها على فمها متقرفة ثم قالت :

– طب لو انا عملت كده أعمل ايه طيب

ضحكت أم فارس من طريقتها وابتسم فارس وقال:

– استغفرى كتير ليكى وللى اتكلمتى عليها

***

صلى فارس الجمعة ووقف يبحث بعينيه عن بلال وأخيرا وجده فأقبل عليه مسرعاً وصافحه بحرارة فقال بلال:

– هو انا يابنى مش هشوفك غير فى المصايب ولا أيه

ضحك فارس لداعبته وقال مدافعاً:

– لا والله مفيش مصيبة المرة دى .. دى خدمة بس

ضحك بلال وقال:

– أنا برضة بقول عليك بتاع مصلحتك..ها خير

– شوف يا سيدى الحكاية باختصار ..أخت خطيبة عمرو صاحبى وقعت من على السلم ورجلها اتكسرت والدكتور قال لازم علاج طبيعى بعد ما تفك الجبس واهى فكته من يومين ومن ساعتها واحنا دايخين على دكتورة ست ..مش لاقين .. وبما أنك بقى دكتور علاج طبيعى يبقى مفيش قدامنا غير سيادتك

حاول بلال أن يتكلم رافضاً ولكن فارس قاطعه بسرعة :

– أولا انا عارف أنك بتتعامل مع الرجالة بس ..لكن والله غصب عننا ومفيش حل تانى يا أما ست يا أما دكتور نضمن خلقه وأمانته

ثانيا انا عارف أنك شهم ومش هترضى نوديها عند أى دكتور منضمنوش ده غير انها رافضة تروح لدكتور لأنها منتقبة ومش عاوزه راجل يلمسها يرضيك بقى يحصلها مشكلة فى رجلها

أطرق بلال برأسه قليلا ليفكر فى الأمر, لقد كان شبه مستحيل بالنسبة له أن يتعامل مع النساء وخصوصا فى هذا المجال الذى يتطلب بعض اللمسات المباشرة , فرفع رأسه وقال متسائلا:

– قلتلى انها رافضة تروح لدكتور راجل ؟

قال فارس مؤكداً:

– أه والله يا بلال .. ده حتى لما رجلها اتكسرت وراحت المستشفى .. بدل ما تعيط من الألم كانت بتعيط ان الدكتور شاف وشها وهو بيفوقها

قال بلال بعفوية :

– هى منتقبة من زمان ؟

نظر له فارس بدهشة وقال:

– افتكرتك هتسألنى على حالتها الصحية

أنتبه بلال لسؤاله وقال مستدركاً:

– طب ماهى هترفض تجيلى برضة .. مش بتقول رافضة تروح لدكتور راجل

أبتسم وهو يقول:

– لو أنت وافقت هقول لباباها وهو هيتصرف .. مفيش حل تانى ..الدكتور بعد ما فك الجبس قال لو معملتيش علاج طبيعى هيحصل تيبس للعضلات وضمور ومش هتعرف تتحرك تانى

قطب بلال جبينه وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ثم ابتسم قائلا:

– هاتهالى المركز بكره .. بس يكون والدها معاها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!