بقلم دعاء عبدالرحمن -2

انت في الصفحة 5 من 13 صفحات

الفصل الخامس عشر

دوت الزغاريد فى نفس المنزل للمرة الثانية على التوالى ولكن هذه المرة كانت العروس مختلفة , كانت عبير ,عبير ذات العبير المعتق فى صدفته ينتظر نصفه الآخر المقدر له استنشاقه وملىء رئتيه بنسيم العذراء القابعة أسفل أمواج خجلها .

أحمر وجهها وهى تجذب والدتها من ملابسها لتجلسها مرة أخرى ووالدها يكمم فمها هاتفاً بها:

– أسكتى بقى الناس تقول علينا ايه

جلست أم عبير وهى تلهث من فرحتها قائلة:

– يقولوا عندنا فرح هيقولوا ايه يعنى

نهرها قائلا:

– مش لما العروسة توافق الأول يا ام مخ مهوى انتِ

نظرت إلى أبنتها وهى تقول :

– عبير موافقة طبعاً هى دى عايزة كلام

قالت عزة بحماس وهى تنظر إلى أختها :

– صح يا ماما

صوب الجميع نظره إليها فى انتظار كلمتها وبعد فترة من الصمت قالت بارتباك :

– لما أقعد معاه الأول وبعدين استخير.. ده جواز يعنى لازم يكون منهجنا واحد وإلا هيبقى فيه مشاكل كتير بينا بعد كده.. الحكاية مش حكاية لحية وخلاص

تم تحديد ميعاد للقاء عبير وبلال للرؤية الشرعية بعد يومين وتم تجهيز المنزل لإستقبال بلال ووالدته , لن نستطيع أن نتهم عبير بالسعادة لأنها لم تكن تجرؤ على هذا الأحساس , بل كانت تئده كلما حاول الظهور على السطح , كل ما كانت تشعر به هو التوجس والإنتظار لا تعلم لماذا اختارها هى بالذات للتقدم لطلب الزواج بها , فهى ليست مميزة عن غيرها , نعم هى ملتزمة ولكنه بالتأكيد صادف قبلها كثير من الفتيات الملتزمات وبالتأكيد شاهدهن خلال الرؤية الشرعية وكانت منهم الجميلات والأصغر سناً منها ولكنه لم يتزوج بواحدة منهن , فماذا يميزها عن غيرها ليختارها هى , كانت خائفة بل ووجلة , ليس من تلك الهواجس فقط , ولكن خافت أن يكون على غير المنهج الصحيح الذى اختارته لنفسها ووافق السنة الصحيحة

دخلت عليها والدتها لتجدها على حالها تلك الذى تركتها عليه منذ قليل جالسة على فراشها ترتدى كامل ملابسها التى تخرج بها إلى الطريق لم يختلف شىء غير أنها قد أزاحت غطاء وجهها عنها ليستطيع رؤية وجهها بوضوح وهي تردد بعض الأذكار لتخفف من توترها وارتباكها وخفقان قلبها , وقالت تستعجلها:

– يالا يا عبير الضيوف وصلوا ..

تبعتها عزة التى دلفت خلف والدتها مباشرة وهى تهتف بها :

– يالا يا ستى مامته بتسأل عليكى

وقفت عبير وهى تشعر بالألم فى ساقها الذى لم يتعافى بعد, ورغم أنها رؤية شرعية ولابد أن تكشف عن وجهها ليراها إلا أنها شعرت وهى تخرج أمامه هكذا بوجهها المكشوف كأنها عارية أمامه, فزاد حيائها وخجلها وحمرة وجنتيها وإطراق رأسها أرضاً أكثر وأكثر, هبت والدته واقفة عندما ظهرت عليهم وأقبلت عليها فى ترحاب تقبلها وتعانقها وتساعدها فى الجلوس على أقرب مقعد جواره , هذا الحياء الذى علق قلبه بها فى الأمس هو نفسه من علق عينيه بها اليوم وهو ينظر إليها بشغف ويتأمل أحمرار وجنتيها الصافية وعينيها الخجولة الناظرة إلى أى شىء وكل شىء إلا هو, خوفاً من اللقاء ! , ظل يتأملها قليلا فى صمت وعلى ثغره ابتسامة ناعمة تحمل كل الرضا والقبول

أرادت والدته أن تقطع هذا الصمت أو بالأحرى أرادت أن تعطيه طرف الحديث معها فقالت:

– رجلك عاملة أيه دلوقتى يا عبير

قالت بصوت لا يكاد يكون مسموعاً :

– الحمد لله يا طنط أحسن شويه

تحرك لسانه أخيراً وتحرر من صمته ووجد نفسه يقول:

– بتعملى التمارين ؟

أومأت برأسها إيجاباً ولم تجبه شفاهتاً , وكما فعلوا مع عزة وعمرو فى السابق فعلوا مع عبير, تركوها مع بلال فى الخارج وانتقلوا لغرفة استقبال الضيوف , وجلس والدها نفس المجلس فى المرة السابقة ليستطيع رؤية ما يحدث فى الخارج

كان لهذا أثر كبير على بلال الذى تحرر من خجله لمجرد أن أصبح وحده معها ولكنه فى داخله شكر فعل والدها أنه يحرص عليها مع ترك مساحة من الحرية لا تسمح إلا بالحديث معها فقط, فكم سقط فى عينيه آباء كُــثر أغلقوا الباب عليهما بدعوى حرية الحديث , لولا أنه كان يرفض ويأبى هذا بل ويكون سبب خروجه من البيت بلا عودة .

ظلت عبير صامتة مطرقة الرأس ولكنه لم يظل صامتاً ..قال في حنان وهو يتأملها :

– على فكرة ..الرؤية دى يعنى احنا الاتنين نشوف بعض كويس مش انا بس اللى اشوفك

جاهدت على أخراج صوتها من حلقها وكأنه يعبر الأحبال الصوتية فى مشقة وقالت :

– منا شوفتك قبل كده

لاحت ابتسامة صغيرة على جانبى شفتيه وشعر أن الأمر يتطلب جرأة أكثر فقال:

– طيب ممكن ترفعى راسك شوية مش عارف اشوفك كويس

خفق قلبها بشدة وشعرت أنها لو تركت العنان لنفسها لهبت من مقعدها لتجرى إلى غرفتها وتغلقها عليها لتختبىء من نظراته المصوبة إليها ولكنها تعلم أنه من حقه أن يراها جيداً وينظر إليها , رفعت وجهها ببطء ولكنها لم تقدر على النظر إليه مباشرة , نظر إليها ملياً ثم قال :

– عبير

شىء ما بداخلها لا تعلم ماهو جعلها تخطف نظرة إليه ثم تعيد عينيها إلى حيث كانت , ربما كانت تريد ان ترى ردة فعله وهو ينظر لها, هل أعجبته أم لا ..لم تكن عبير تلك الفتاة الفاقدة الثقة فى نفسها رغم أنها فتاة عادية ليست بارعة الجمال , بل وليست مميزة فى جمالها , فتاة عادية بكل المقاييس, ولكنها أرادت أن ترى نظرة سابحة فى عالمها منصهرة فى وجودها, كانت قد رأتها فى عينيه مرة واحدة حينما كان يستمع لصوتها وهى تسبح وتكبر فى عيادته سابقاً وهى تؤدى التمرين, ولقد وجدتها وعثرت عليها للمرة الثانية واستشفت ما وراءها من قبول ورضا

أستردت نفسها حينما سمعته يقول:

– والدك كان قالى انك عاوزه تتأكدى من حاجات معينة ..أتفضلى انا تحت أمرك

حاولت عبير أن تقذف بخجلها بعيدا بل وترميه خلف ظهرها فهذا زواج لابد أن يكون فيه من المكاشفة ما فيه حتى تستقر سفينة الحياة بهم فى المستقبل على جبل التوافق والرشاد

خرج صوتها بصعوبة وهى تقول:

– كنت عاوزه أسألك على منهجك ..منهج أهل السنة والجماعة ولا حاجة تانية

أتسعت ابتسامته وأشرق قلبه بسؤالها, فهى ليست فتاة خجولة وفقط , بل أنها تعرف ماذا تريد فى زوج المستقبل وتعرف أنه ليس كل ملتحى متبعاً للمنهج الصحيح ..أجابها قائلا:

– أيوا الحمد لله .. أنا على منهج أهل السنة والجماعة

ظلت عبير تسأله وهو يجيب , كأنما يجلس أمام محقق يعرف جيدا كيف يستخرج منه الأجابات الوافية, سألته عن شيوخه ودروس العلم التى يحضرها وكيف بدأت حياته الدعوية وغيرها , وكيف يستطيع أن يوفق بين عمله كطبيب والدعوة

فقال:

– بغض النظر عن أنى ممكن أخطب خطبة أو أتكلم مع حد .. لكن بجد انا شايف أن الدعوة دى بتكون فى أى مكان وفى أى حته ومهما كان الواحد بيشتغل ممكن يدعوا الناس عن طريق شغله

قالت مستدركة:

– قصدك يعنى عن طريق أخلاقه

هز رأسه نفياً وهو يقول:

– مش بس أخلاقه .. الدكتور والمهندس والمحامي وأى موظف فى أى مكان أو صاحب محل .. ممكن يحط قدامه كتيبات وشرايط على المكتب والمريض أو العميل أو الزبون اللى يدخل عنده يديله منها ..الست ممكن تشيلها فى شنطتها وتدى منها هدايا لواحدة قاعدة جنبها فى المواصلات أو زميلتها فى الشغل أو جيرانها …الواحد يجى يوم القيامة يلاقى جبال حسنات مش عارف جاتله منين .. ممكن واحدة تقرا الكتيب وربنا يهديها وتبقى فى ميزان حسناتك وانتِ مش عارفة.. تتفاجئ بيها يوم القيامة فى ميزان حسناتك وهكذا ..علشان كده بقول مفيش حاجة اسمها مش عارف أوفق بين الدعوة إلى الله وشغلى مهما كانت طبيعة الشغل ده.

أخذت نفساً عميقاً وهى تشعر بالراحة النفسية الكبيرة وهى تنصت إليه فى اهتمام حتى انتهى من حديثه وأجاباته النموذجية , كان ينظر إليها وهو يجيبها وكلما أجاب أجابة ابتسمت ابتسامة صغيرة مما جعله يعرف نتيجة الأمتحان سريعاً , مما شجعه على أن يقول :

– ها فى حاجة تانية ولا خلاص ؟

هزت رأسها نفياً أن “لا” , فقال مردفاً بمرح :

– أنا اتعصرت على فكرة

أبتسمت ابتسامة صغيرة وهى تشعر بالقبول تجاهه ولكن قلبها خفق مرة أخرى حينما سمعته يقول:

– ممكن اسأل انا بقى ؟

أومأت برأسها موافقةً وقد كانت تتوقع أن يسألها أسئلة شبيهة بأسئلتها وقد كانت مستعدة تماماً لها ولكنها فوجأت به يقول:

– بتحبى الشعر؟

نظرت له مندهشةً وقالت باستغراب:

– شعر !!

أبتسم وهو ينظر إلى علامات الدهشة التى ملأت قسمات وجهها وأومأ برأسه مؤكداً وهو يقول:

– أيوا .. الشعر .. بتحبيه ؟

ثم قال هامساً :

– أصل انا رومانسى أوى .. وبحب كل حاجة رومانسية

أرتبكت ولم تدرى ماذا تقول, لقد غير مجرى الحوار تماماً , وعاد إليها خجلها مرة أخرى غازياً كل خلجاتها من جديد, وبعنفوانه أصر على تلوين وجهها مجدداً بلونه الوردى بعد أن كانت قد تحررت منه منذ قليل, قاومت فضولها ولكنها لم تستطع ووجدت نفسها تقول:

– وعرفت منين انك رومانسى ..هو كان فى علاقات من أى نوع قبل كده

أسند ذقنه على راحة يده وقال مبتسماً بنبرة خفيضة أربكتها:

– متقلقيش .. أنا شايل كل مشاعرى لحبيبتى وبس

لم تستطع أن تجلس أكثر من هذا , لم تعد تتحمل تلميحاته المتلاحقة والتى جعلت قلبها تتلاحق دقاته هو الآخر ويقفز بجنون بعد أن عاش طويلا يعانى شظف القسوة وتغالب الحرمان .. وجد من يأوى إليه ويستغرقه وينصهر بداخله ليصيرا مكوناً واحداً .

بدأ اللهب يشتعل فى مدفأة الحب , وبعد الأستخاره كانت النتيجة المتوقعة , بالموافقة , وتم تحديد ميعاد عقد القران , كانت عبير تحاول تأخير الميعاد حتى تكون شفيت تماماً ولكن بلال كان مصراً على العقد بعد أسبوع بحجة أن تعود عبير لممارسة العلاج الطبيعى تحت أشرافه مرة أخرى , دون موانع شرعية !

***

فوجىْ عمرو باتصال من والد عزة يخبره بميعاد عقد قران عبير ويطلب منه حضور العقد والشهادة عليه , ولم يستطيع عمرو أن يرفض , وافق على الفور, المشهد الأخير الذى رأى فيه عزة واقفة تنتظره فى نافذتها الصغيرة جعل قلبه يرق لها مرة أخرى ويشعر بقيمته لديها , قيمة الإنسان الحقيقية تتحدد بمن يعنيهم أمرنا وبمن يمثل رضاؤنا عنهم أو جفاؤنا منهم شيئاً ثمينا , غضب منها لأنه لم يستطع أن ينسى جرحها وكلمتها التى ألقتها على أذنيه فى الهاتف , ولكنه يعود ويتراجع ويلين , فإن لم يلن الجانب لحبيبته فلمن يفعل إذن ! , وهو أحبها واختارها منذ البداية وهو يشك فى مشاعرها تجاه صديقه , ولكل اختيار تبعاته التى لابد وأن نتحملها ونتعامل معها راضين بها , لأنها جزء لا يتجزأ من هذا الأختيار.

***

ضرب نادر بقبضته على مكتب إلهام بعنف وغضب وهو يصيح بها غاضباً:

– انا عاوز أعرف بقى ايه حكاية اللى اسمه عمرو ده معاكى

نهضت إلهام وهى تقول بحدة :

– وطى صوتك يا بنى آدم ..أنت عاوز تعملنا فضيحه ولا أيه .. وبعدين وانت مالك ..أنت مجرد حتة مهندس فى شركتى ملكش دعوة بتصرفاتى ولا فاكر نفسك جوزى ؟

قال وهو يشير إليها محذراً:

– أسمعى يا إلهام.. أنا مش هسمح باللى فى دماغك ده أنا فاهمك كويس

أبتسمت إلهام ساخرة وهى تقترب منه وتقف أمامه مباشرة قائلة:

– أنت هتمثل ولا ايه ..عاوز تفهمنى أنك بتغير عليا …أنا عارفه كويس أوى انت خايف وقلقان منه ليه

ثم وضعت يدها على ذراعه وقالت :

– ومتقلقش الخير كتير ونصيبك محدش هيلمسه فى أى عملية ..خلاص ارتاح بقى ومتقعدش تتنططلى كل شوية وتعملى فيها غيران

تركها وجلس على المقعد أمام المكتب وهو يستند بمرفقه إلى حافته قائلاً:

– أنا عايز اعرف بس انتِ هتحتاجيه فأيه ؟ هو انا مش مهندس برضة وبخلصلك اللى انتِ عايزاه كله وأحسن ..عاوزه تحشريه ليه وسطنا.. ده بدل ما نقول يا حيطة دارينا

قالت إلهام بعصبية :

– أيه الألفاظ دى.. حيطة ايه دى اللى تدارينا .. أنت ناسى احنا بنشتغل مع مين ولا ايه ومالك كده محسسنى اننا بنتاجر فى المخدرات

وقفت خلفه ووضعت يدها على كتفه وقالت بحسم:

– أسمع يا نادر.. أنت متدخلش فى شغلى تانى وملكش دعوة بعمرو .. وبطل تضايقه فى شغله .. أما بقى شغلنا الخاص مش عاوزاك تقلق.. عمرو مش هيدخل فى نصيبك هيبقى ليه نصيب خاص بيه لوحده

هب واقفاً وصاح مرة اخرى:

– وليه كل ده هيعمل أيه زيادة

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بجرأة:

– بصراحة ….عمرو ذكى أوى وليه لمحات كده فى شغله بتحسسنى انه فنان فعلا مش مجرد مهندس كده وخلاص ومن الآخر عاجبنى وعاوزه أكبره

أبتسم نادر بسخرية ممزوجة بالغضب وهو يهتف :

– آه عاوزه تكبريه على قفايا مش كده

قالت متأففة وهى تجلس خلف مكتبها:

– يووه أطلع من دماغى بقى يا نادر.. أنا جبتلك من الآخر وانت مش عاوز تفهم

أتكأ على المكتب ونظر لها بتحدى قائلا:

– دلوقتى أطلع من دماغك ..طبعا ما انتِ استغنيتى خلاص

قالت بلامبالاة:

– مش زى ما أنت فاهم على فكره

رفع حاجبيه وقال ساخراً:

– كمان مش زى ما أنا فاهم ..

ثم ضحك قائلا:

– يعنى لسه مدوخك ومطلع عينك ..أومال عاجبنى ومش عاجبنى وبعتينى علشانه وهو ولا معبرك

أستندت إلى ظهر مقعدها باستعلاء وهى تضع ساقاً فوق الأخرى وقالت باستفزاز:

– أنا مش هزعل من كلامك ده علشان مقدره حالتك كويس ..لكن متنساش مين هى إلهام ..أنا محدش يقدر يقولى لاء ..لا عمرو ولا غيره …وأنت مجرب

****

وفى صباح يوم عقد قرآن عبير وبلال كانت أعمال تعليق المصابيح والكهرباء تجرى على قدم وساق فى شارعهم الصغير وسط مباركة ومشاركة من الجميع الذين أبهجهم خبر زواج عبير .

أبتسمت أم يحيى وهى تفتح بابها عندما وجدت فارس واقفاً أمامها فقالت مرحبةً:

– أهلا يا أستاذ فارس أتفضل

قال بسرعة وعلى محياه ابتسامة واسعة :

– لا معلش يا ام يحيى.. مستعجل أوى ..كتب كتاب بلال صاحبى والآنسه عبير النهاردة.. أنتِ مش عارفة ولا ايه

قالت أم يحيى بسعادة:

– لا عارفة طبعا ورايحة كمان شوية.. هو فى أغلى عندى من عبير .. دى هى اللى علمتنى الصلاة ونبهتنى ليها

كان واضعاً يديه خلف ظهره وهو يتحدث وقال:

– أومال مُهرة فين .. مش سامع صوتها يعنى بقالى كام يوم

– بتذاكر

– طب نديهإلى ثوانى بس مش هعطلـــ ..

لم يكمل عبارته حتى وجدها تدفع أمها من الخلف محاولةً أن تخرج رأسها بجوار خصرها بصعوبة هاتفةً باسمه , تنحت أمها جانباً لتمر بجوارها وتراجعت هى قائلة:

– ياريتنا كنا افتكرنا شلن ..

وأستأذنته قائلة:

– طب عن أذنك يا أستاذ فارس اشوف اللى على النار

نظر لها بتمعن وقال بمرح:

– أيه ده مش معقول .. زى ما تكونى طولتى خير اللهم اجعله خير خمسة سنتى

كان يتوقع عاصفة رعدية بعد إنهاء كلمته الأخيرة ولكن العكس هو الذى حدث , نظرت لنفسها ووقفت على أطراف أصابعها وهى تقول بلهفة:

– بجد يا فارس .. أنا طولت بجد

ضحك وهو يقول:

– أه طبعا طولتى وكبرتى وعلشان كده بقى جايبلك حاجة هتعجبك اوى

وأخرج الشنطة البلاستيكية من خلف ظهره وأعطاها لها قائلا:

– أتفضلى يا ستى ده بقى علشان تلبسيه فى كتب كتاب عبير النهاردة

فضت الشنطة فى سرعة شغوفة وأخرجت منها فستان وحجاب , أعادت الحجاب فى الشنطة مرة ثانية وأمسكت بالفستان بفرح وهى تتامل ألوانه الهادئة المتداخلة فى انسيابيه وضعته على جسدها وقالت بتبرم :

– بس ده طويل يا فارس هيكعبلنى

هز رأسه نفيا وقال بتصميم:

– لا طبعاً ولا هيكعبلك ولا حاجة.. ده يدوب واصل لآخر رجلك

ثم أخرج الحجاب قائلاً:

– وده بقى هتلبسيه فوقيه .. شايفه لونهم حلو ازاى على بعض

قالت وهى تمسك بشعرها:

– بس انا كنت عاوزه أسيب شعرى فى الفرح النهاردة

عقد ذراعيه أمام صدره وأشاح بوجهه بعيداً عنها ولم يجيبها , نظرت إليه ملياً وهتفت فجأة:

– طب خلاص متزعلش هلبسه والله ..والله خلاص

ألتفت إليها وقطب جبينه وقال محذراً:

– ولو محمود أخو عمرو ولا أى حد غيره حاول يكلمك مترديش عليه .. ومتجيش تقوليلى وسط الرجالة.. لاء… أدخلى عند البنات جوه وتخليكى جوه على طول فاهمانى

أومأت برأسها بقوة موافقة وهى تقول:

– حاضر يا فارس

تابع حديثه قائلا باهتمام:

– والحجاب ده متقلعيهوش تانى ومتخرجيش من غيره .. ولما يكون يحيى عنده درس متخرجيش من أوضتك أبدا إلا وانتِ لابساه

أومأت برأسها بقوة مرة أخرى توافقة ولكنها توقفت فجاة وقالت:

– طب وانا نازله عندكم ألبسه برضة

كان الرد منطقى وطبيعى أن يقول نعم , ولكنه لا يعلم لماذا تردد , ربما لأنه يعتبر نفسه مُربيها وولى أمرها وكأنه أباها أوأخيها الأكبر سناً , ولكن فى النهاية لا يصح إلا الصحيح فقال:

– أيوا طبعاً حتى وانتِ نازله عندنا تلبسيه ..أتفقنا

– أتفقنا

***

كانت حفل عقد القران بسيطاً ولكنه ممتلىء بالبركة ولا عجب من ذلك فإن لم تكن البركة فى الحلال بعد الصبر الجميل فاين تكون , أنتهى المأذون من العقد قائلاً :

– حد يودى الدفتر للعروسة علشان تمضى

لمح والدها عزة تقف بين النساء فنادى عليها فاقبلت سريعاً وكأنها تنتظر هذا النداء لتلقى نظرة سريعة على عمرو الجالس بجوار فارس وبلال , راقب عمرو نظرتها فوجدها تبحث عنه وحده , وابتسمت عندما وجدته , أعطاها والدها الدفتر الكبير وأسرعت هى فى سعادة إلى غرفة أختها التى كانت تحيطها أمها وأم بلال وبعض النساء والجارات المحبات ووضعتها أمامها فى شغف قائلة:

– أمضى يا عروسة.. يالا ولا رجعتى فى كلامك ؟!

ابتسمت عبير وهى تنظر إلى الدفتر وعزة تشير لها على المكان المخصص لتوقيعها وابتسمت أكثر عندما وجدت توقيع بلال وكأنها تراه هو شخصياً وليس توقيعه فقط , شعرت باضطراب وبخفقان شديد فى نبضها وهى توقع بجانبه , وساد الصمت حتى أنها شعرت أن الجميع يسمع صوت نبضاتها المتلاحقة تتسارع أيهما ينبض أولاً , أخذت عزة الدفتر مرة أخرى بعد ان قبلت اختها مهنئةً لها ومباركة لزواجها وسط زغاريد النساء المتعإلية وعادت سريعاً لتلقى نظرة أخرى وهى ترد الدفتر لأبيها ولكنها لم تجده , مقعده فارغاً , بحثت بعينيها سريعاً فى الغرفة فلم تجده , أنتهت الأجراءات بمباركة الجميع وعناق فارس لـ بلال فى سعادة كبيرة.

عادت عزة أدراجها خارج الغرفة والمكان مزدحم , ظلت تبحث عنه وهى تتجنب الصدام بالرجال حتى خرجت خارج الشقة , ألقت نظرة سريعة على السلم , وقبل أن تلتفت لتعود سمعته يقول :

– بتدورى على حد ؟

شهقت وهى تضع يدها على صدرها والتفتت إليه سريعاً قائلة:

– فزعتنى

عقد ذراعيه أمام صدره وقال بجدية:

– سلامتك

أطرقت للأسفل ثم قالت متوترة:

– سامحتنى ولا لسه

– أنتِ شايفة ايه ؟

– أنت لسه مش على طبيعتك معايا

أطل عمرو برأسه داخل الشقة ثم عاد كما كان وهو يقول :

– مش وقته الكلام ده .. بعدين نبقى نتكلم تلاقيهم بيدوروا عليا

كاد ان يدخل ويتركها ولكنه استدار إليها مرة أخرى وأشار إلى وجهها قائلا:

– مش عاوزك تحطى مكياج قدام الناس تانى

وضعت يدها على وجهها بتلقائية وقالت :

– انت عارف انى مبحطش مكياج بس علشان النهاردة فرح عبير وبعدين الرجالة بعيد عن الستات

أومأ برأسه وهو يقول متهكماً:

– اه صح.. يعنى مدخلتيش عند الرجالة مرتين ومخرجتيش دلوقتى بره الشقة مش كده

قالت منفعلة مدافعةً عن نفسها:

– انا خرجت ادور عليك

لاحت ابتسامة صغيرة على جانبى ثغره ولكنه أخفاها سريعاً وقال بجدية مصطنعة :

– عموما يعنى انا ماليش حكم عليكى … براحتك

قال كلمته ودلف للداخل كادت أن تمسك بذراعه لتوقفه ولكن يدها توقفت فى الهواء , زفرت بضيق فلم تستطيع استخراج ما بداخله وتركها فى حيرة وكادت أن تظن انه نسيها تماماً لولا أخر كلمة قالها وتعليقه على زينة وجهها

تنهدت فى حيرة ودلفت للداخل دون النظر لأحد وقفت أمام مرآة الحمام وأزالت الألوان العالقة بشفتاها ووجنتها وعينيها وأعادة وجهها إلى ما كان عليه فى صفاءه ونضارته الطبيعية

دخلت المراة التى تسببت فى حادثة وقوع عبير فوق السلم هى وابنتها , لا تبارك وأنما لتشمت ولتسخر , شعرت بالحقد وهى ترى عبير فى أبهى صورها , قبلتها ببرود وهى تبارك لها بكلمات خاوية غير صادقة ومن العجيب أن عبير كانت قد نسيتها تماماً ولم تتذكرها إلا عندما سمعتها تسخر وهى تحادث أمها قائلة :

– والعريس بقى عدى الخمسين ولا لسه

كادت أم عبير أن ترد بعصبية ولكن أم بلال قاطعتها قائلة بزهو:

– أبنى الدكتور بلال لسه مكملش ال34 سنة

وأردفت أم عبير قائلة بحدة:

– وملتزم ويعرف ربنا

نظرت ابنتها إليها بحقد وهى تردد … دكتور ! , ردت عبير قائلة :

– ده الدكتور اللى عالجنى لما وقعت على السلم ورجلى اتكسرت يا طنط

لا تعلم عبير لماذا قالت ذلك, ربما أنها فعلت ذلك بداعى أنثوى محض لا يعلمه ولم يختبره غير النساء, خرجت المرأة مقهورة هى وابنتها , وبعد أن شاهدت بلال وسط الرجال, زادت قوة سخطها وقهرتها وهى تراه بلحيته المنمقة التى زادته وسامة وجاذبية وضحكته المجلجلة بينهم التى تنم عن سعادته بهذه الزيجة .

أنفض الجمع وخلا الحبيب بحبيبه ولكن هذه المرة بعيداً عن الأعين المراقبة , أعدت أم عبير عشاءً فاخراً لزوج ابنتها وتركتهما وحدهما فى غرفة الصالون وتركت الباب مفتوحاً وانضمت إلى زوجها فى غرفته , بينما كانت عزة تنظف فى المطبخ آثار حفلة زواج أختها فى سعادة وحيرة من أمر عمرو

جلس بلال على المقعد الملاصق لها أمام مائدة الطعام وهو يتأملها بحب , كان يتوقع من نفسه غير ذلك فى تلك الليلة التى كان ينتظرها بشغف , ولكنه وجد نفسه مرتبكأ أكثر منها أخذ يتفحصها فى سعادة كبيرة وفى صمت أيضاً , قطعت هى ذلك الصمت ولكن بهمس وقالت بخجل:

– مش هتتعشى ؟

أنتبه من سُباته وقال على الفور :

– اه هاكل طبعا.. ده انا واقع من الجوع

حاول أن يطعمها فى فمها ولكنها خجلت وامتنعت فقال:

– ايه ده بقى عاوزه تحرمينى الأجر ولا ايه

ألتفتت له متعجبةً وقالت:

– أجر أيه

أبتسم وهو يقول :

– متعرفيش حديث الرسول صل الله عليه وسلم : إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك (…شفتى بقى يعنى اللقمه اللى هحطها فى بؤك هاخد عليها أجر

أبتسمت بخجل وهو يمد يده و يضع قطعة صغيرة من اللحم فى فمها ولكن احمرار وجنتها طغى وبشدة وكادت أن يغشى عليها حينما وضع أطراف أصابعه التى لامست شفتيها فى فمه وهو يتذوقها متلذذاً و يتأملها قائلا:

– هى صوابعى طعمها احلو كده ليه

أشفق عليها عندما رأى تلون وجهها بعد عبارته فأراد تغير الحديث وقال بجدية :

– أسمعى بقى من هنا ورايح مفيش دلع.. لازم تخفى بسرعة ..عاوزين نخرج مع بعض ونفسى أوى أفسحك ونتمشى مع بعض كده وأدينا فى أيد بعض زى الحبيبة

رأى ابتسامتها فتابع قائلا:

– خلاص اتفقنا من بكره ان شاء الله هنبدأ تمارين مكثفة

قالت عبير بصوت خفيض:

– بس هتكسف أجيلك المركز

رفع حاجبيه متعجباً وقال:

– وتيجى ليه ..أنا اللى هجيلك وهنعمل التمارين هنا ولو احتاجتى للجهاز هبقى اخدك على هناك بنفسى

قالت بحياء وهى تضع خصلة شعرها خلف اذنها :

– هنا فى البيت ؟

مال إلى الأمام وهو يتلمس خصلتها التى نامت على كتفها وقال هامساً:

– اه هنا فى البيت هو انتِ مش مراتى ولا أيه

ثم جعل صوته أكثر عذوبة وهمساً وهو يقول:

– وبعدين كان فى تمارين مش عارفين نعملها قبل كده.. افتكر بقى دلوقتى هنعملها بسهولة

وقبل أن تجيب اعتدل فى جلسته وقال بشغف :

– أمبارح قرأت شعر حلو أوى وحسيت انه مكتوب علشانك انتِ .. قعدت احفظ فيه طول الليل علشان اقولهولك النهاردة

لم يتلقى منها أجابة إلا صمتها الخجول وعينيها الحيية فبدأ فى سرد ما حفظه من شعر يهديه لها بصوت عذب هامس :

أحبــــك … واحة هـــــــدأت عليها كــــل أحزاني

أحبـــــك … نسمة تروي لصمت النــاس ألحانــي

و لو أنساكِ يا عمري ….. حنايا القلب تنسـاني

و لو خٌيِّرتٌ في وطن ….. لقلتٌ هواكِ أوطانـي

إذا ما ضعت في درب ….. ففي عينيكِ عنوانــي

أخذت تنصت إليه وهى تشعر أن المكان غير المكان والزمان غير الزمان وكأن الغرفة الصغيرة تحولت لسحابة هادئة تمضى بهما فى رحلة غير مماثلة , إلى واحة هانئة ينفث الحب فيها عطره الفواح.

الفصل السادس عشر

طرق عمرو باب حجرة المكتب الخاص بإلهام ودلف إليها مبتسماً أبتسامة روتينية بعد أن ألقى التحية , أشارت له إلهام بالجلوس وهى تتأمله متفحصة وارتسمت على شفتيها الأبتسامة المعتادة التى تغزوها كلما رأته ثم قالت بنعومة:

– أيه يا بشمهندس .. يعنى محدش بيشوفك

لم يستطع أن يغالب المزاح بداخله فوجد نفسه قائلا:

– وفيها ايه لما يشوفنى يعنى

قطب جبينها وقالت بعدم فهم:

– هو مين ده !!

رفع حاجبيه وهو يقول:

– محدش

أبتسمت وهى تضيق عينيها قليلا ناظرة إليه وقالت:

– ايه ده وكمان دمك خفيف..

وخضعت بنبرة صوتها وهى تردف:

– مش كفاية ذكى ووسيم وجذاب .. كمان دمك خفيف.. لاء كده مش هاستحمل

أبتلع عمرو ريقه وهو حانقاً على نفسه وعلى دعابته, هل أصبحت الدعابة تسرى فى دمه لهذه الدرجة فلا يستطيع وضع احاديثه فى نصابها الصحيح ومع الشخص الصحيح , رآها تنهض من مجلسها وتقف خلفه وقالت :

– عمرو.. أنا عاوزه اتكلم معاك شوية بره الشغل … أنت بيبقى وراك حاجة بالليل؟

قالت كلمتها الأخيرة هذه وهى تلامس خصلات شعره من الخلف مما جعله ينتفض واقفاً وبحث عن مخرج مناسب لا يتسبب فى أنهاء حياته العملية من الشركة ولكنها لم تنتظره طويلا واعتبرت صمته تفكير فى الأمر فاقتربت أكثر لتحثه على الموافقة وتعده بما ليس له بل وليس من حقه بدنوها منه إلى هذه الدرجة حتى شعر بانفاسها من خلف أذنيه واشتم رائحة عطرها النفاذ تزكم أنفه رغماً عنه لتوقظ بعض مشاعره الدفينة وشعر بدفء جسدها بملامسة ظهره وسمعها تقول بهمس كالفحيح:

– أيه رأيك نتعشى سوا الليلة

وفجأة فُتح الباب ودلف صلاح فى عجلة من أمره , ولكنه توقف أمام ذلك المشهد , عمرو واقفاً فى توتروإلهام تقف خلفه مقتربة منه بشدة , وقف جامداً ينظر إليهما ولكنها كانت فرصة سانحة وجدها عمرو للهروب بدون عواقب كما كان يفكر قبل دخول صلاح عليهما , تنحنح وهو يتحرك فى اتجاه صلاح ووقف بجواره قائلا:

– طب استأذن انا علشان عندى شغل كتير

بمجرد أن خرج عمرو حتى قامت عاصفة إلهام الرعدية وظلت ترعد وتؤنب صلاح على دخوله بغير أذن وبغير ميعاد , وضع صلاح الملف الذى كان يحتاج إلى توقيعها أمامها على المكتب وانصرف على الفور وتركها وسط حممها المتصاعدة وعاد لعمله .

فوجئ بوجود عمرو فى مكتبه ينتظره , ألقى عليه نظرة عتاب كبيرة وهو يجلس خلف مكتبه ويتابع عمله بصمت , وقف عمرو مدافعاًعن نفسه وقال:

– متبصليش كده .. أنا والله ما عملت حاجة

رفع صلاح عينيه إليه قائلا:

– معملتش اه .. لكن سكت .. و اللى يسكت على الغلط يبقى مشارك فيه ومينفعش بعد كده انه يلوم اللى هيطمع فيه بعد كده نتيجة سكوته وزى ما بيقولوا السكوت علامة الرضا

قال عمرو بانفعال وهو يجلس :

– أنا مكنتش ساكت.. أنا كنت بدور على طريقة مناسبة أهرب بيها من الموقف

– الحكاية مش محتاجه تفكير يا عمرو.. أنت بتخاف على شغلك ومستقبلك أكتر ما بتخاف على أى حاجة تانية … وأنا حذرتك كتير ونبهتك كتير بس أنت شكلك مش هتتعلم ببلاش ..اللى بيسيب الباب موارب يابنى مايزعلش لما يدخله منه شر بعد كده

خرج عمرو من مكتب صلاح يضيق بنفسه ذرعاً ولا يعلم لماذا يتهاون إلى هذا الحد , هل كما قال صلاح فعلا هو يخاف على مستقبله وعمله أكثر من خوفه من أى شىء آخر , نفض الفكرة عن رأسه مستنكراً لها ولكنه لم يستطع أن ينفض تلك المشاعر التى عاشها والتى أستقيظت بداخله منذ لحظات فى مكتب إلهام , فمازال يشتم عطرها النفاذ ومازال يشعر بلمستها , لم يستطع أن يغالب هذا الشعور الذى يجتاحه فخرج فورا من الشركة عائداً لمنزله تصارعه مشاعر شتى , وبدلاً من أن يدخل منزله وجد نفسه يتوجه إلى بيت خطيبته قاصداً أياها , سيلهى بعض من مشاعره بطلب تحديد موعد لعقد القران ولتذهب الخطبة إلى الجحيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!