المارد 1

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

ألقى جسده على الفراش مُتمددًا بـإنهاك ، رغم آلام جسده ألا أنّ شعوره بـالراحة الـداخلية طغى على كل شيء و كل آلام .. خمسون يومًا ذاق نكهة كل شيء ثمين ، لم يشعر بـالسعادة تخطو قربًا منه بتاتًـا ..
و من ليلة واحدة لم تكلفه أموالًا ذاق تفسير السعادة الحقيقة ، أخذت تتسلل لـفؤاده فـأحيت ذكر الكلمة ! فـصدقت مقـولـة :- – جالس جميل الـروح تُـصيبك عدوى جمالـه ! – ❤
يتبع
••••••• — الـمـارد —

• الـفصل الـخامس •
( كلما احتدمت احوالنا ، و احتدت من حولنا .. مثلما هو حالنا اليوم ، اشتد احتياجنا إلى الحب …. كـطوق نجاة ) •••••• أمسكت ” مُنايا ” و بصيغة أخرى ” فجر ” قلمـها لـتقترب من ورقة الـتواريخ الشهرية ، خطت على رقم عشرين .. لـتبتسم بـأمل و تفاؤل ، مرّ عشرون يومًا على فترة عـلاجها و كل يومٍ تزداد قـوة ليس ضعف ، تزداد عزيمة ليس إستسلام ، تـزداد ثـقـة و طموح ليس إنهيـار ..

ألقت نظرة على والـدتها الـنائمة بـسلام على إحدى الأرائك الموضوعة بـالغرفة الطبية ثم توجهت لـفراشها تلحق بها هي الأخرى .. •••••••• مـر أربعة عشر يومًا ، مع كل يوم يزداد الرباط بينهما أكثر .. تنكمش المسافة أكتر و أكثر ..
أصبح يزورهـا يوميًا تقريبًا بـالمشفى و يتسامران لوقت طويل …

كانت ليلة هادئة ، خالية من حس الفكاهة الـمصاحب لـكليهما ..
تجلس هي بـهدوء و يجلس جانبها بـنفس الهدوء .. و بدأ تدريجيًا صوت المطر الـقويّ يهبط بـقطع جليدية تساقطت فوق رؤسهما ، ابتسمت فجر بـهدوء لـ ذلك المنظر البديع بينما خلع مارد معطفه و وضعه فوق أكتافها دون حديث …
أزاحت ذلك المعطف عنها ، بل و نهضت واقفة و أصابعها تعبث بـأزرار سترتها حتى خلعتها و ألقتها أرضًا وسط نظراته الـمصدومة ، أصبحت ملابسها خفيفة كثيرًا نسبة لـذلك الـجو !

راقب تصرفاتها فـأخذت تخلع الوشاح الذي كان يحيط بـرقبتها ، يليه قبعة رأسها الـصوفية فـظهرت رأسها الأصـلع لا يحجبه عن رؤيتها شيء .. تحركت لـلأمام رافعة ذراعيها في الهواء ، تاركة قطع الجليد تنصهر فوق بشرتها .. مُستقبلة الـبرودة لـتدخل بـقلبها فـتهون عليّها دفيء مشاعرها الـمُتدفقة .. مشاعر كثيرة ، لكن شعور الـحب و الـبهجة كانا أبرزهم و أكثر رونقًا و لمعانًا ! شعور الحب الـذي تكنه لـذلك الـشخص خلفها ، كم كانت تحلم بـتلك اللحظة دائمًا !
– مطر ، جليد ، بـرودة الطقس مع معشوقها فـيجف الـمطر و ينصهر الجليد و يطغى الـدفيء على الـبرودة ! –

شعرت بـملمس ثقيل على كتفها ، و شعرت بـدقاتها تتعالى فـعلمت فورًا أنّه الـمـارد ، سارق فـؤادها ..
ضحكت … ضحكت له بـفرحة عامرة ، ضحكتها وصلت لـعينيها و قلبه قبل أن تظهر على شفتيها الـورديتين ، شرد بـتلك الـضحكة كثيرًا ،، تضحك هي و تصل الـفرحة لـقلبه هو ! أمال رأسه لـمستوي أُذنها هامسًا بـحرارة ألهبتها و شتت موازينها :-
_ بُكرة ، جهزي نفسك هخطفك ! الـساعة 6 تُكوني مستعدة .. اكتفت بـإبتسامة صغيرة ، لكن كل الـفرحة ظهرت في عينيها و حديث الـعيون أبقى …!

•••••
••••• وقفت أمام مراة المرحاض الطويلة تحدق بـفستانها الأبيض الطويل المزخرف بـورود بنفسجية مع وشاح بنفسجي .. لم تكن راضية كثيرًا على هيئتها خاصةً وجهها الـظاهر عليه علامات المرض لكنها لم تعبأ ، روحها الـخلابة تطغي على هيئتها لا مُشكلة ! خرجت من المرحاض لـتجد والدتها ترمقها بـنظرات معاتبة غير راضية ، كأنها تؤنبها على شيءٍ ما ..
إقتربت فجر على إستحياء منها واضعة كفها على كتفها فـانتفضت مُزيلة كفها كأنه مرضًا ما ، و أسرعت خطواتها إلى الغرفة بـالمشفى …

ابتلعت فجر غصتها و هي تعلم أن والدتها في خصام معها ، شعرت بـنفس الوقت ملمس كفه على كتفها فـاستدارت له .. وجدته يقف بـحلة سوداء أنيقة بدا فيها وسيمًا كثيرًا خاصةً بعد أن تخلص من ذقنه الكثيفة و إكتفى بها خفيفة نامية .. حدثها بـرسمية مُشيرًا للساعة :-
6 و ربع ، تأخير ربع ساعة مش مسامحك عليه على فكرة ! تناست موضوع والدتها ، وضعت كفيها حول خصرها بـدلالٍ هاتفة و هي تسير ذهابًا و إيابًا بطريقة مسرحية :-

_ طلقني ، لو مش عجبك طلقني ! ضحك مارد عليها و فورا أعادها إليه هامسًا قرب أذنيها :-
_ لا عجبني ، ألا صحيح إنتِ حلوة النهاردة كدة ليه ؟ إوعى تكوني إتسابتي ؟ _ إتسابت ؟! _ أيوة ، أصل بيقولوا البنت بـتحلو لما تتساب ! _ أهـاااااااا فهمتك ، لا يا بابا .. البنت تحلو لما تحب مش تتساب ! قالتها و هي تطالعه ثم أشاحت بـنظرها بعيدًا ، تجهمت تعابيره بـأشكال مختلفة و تخضبت مشاعره أيضًا بـمشاعر مختلفة بين الفرحة من مغذى حديثها و بين خوف .. تبقى شهر واحد ، شهر واحد ………

تغاضى عن جملتها عمدًا و هو يدفعها للأمام قائلًا :- طب يلا امشي امشي .. _ استنى لما نجيب إذن من المستشفى ! استكمل دفعها للأمام هاتفًا :- إذن إيه العبد لله مايستأذنش من حد أبدًا ! يلا هنهرب ماتخافيش .. كادت أن تتحدث قبل أن يدفعها ثانيةً فـضحكت بـإستمتاع و هي تتبع خطوات دفعته ..
•• وصـلا كلاهما إلى مطعم يتميز ديكوره بـالدفيء و الألوان القاتمة ، أثاث مُتميز و مصابيح بألوان هادئة عمت المكان ..
تركا اثنتاهم الطعام ، و دون وعى ظل كلًا منهم يحدقون ببعضهما البعض و على وجوههم اعتلت الـبسمة ..

كسر مارد زجاج الصمت يهمس مُتسائل :-
_ مش بتاكلي ليه ؟ لم يتغير موضع فجر ، رأسها نائمة على المنضدة و تُحدق به من فوقها فـردت :-
_ الحمدلله .. شبعت ؟ ألقى نظرة شاملة على الـمكان لـيحمحم هاتفًا بصوت أجش :-
_ تحبي ترقصي ؟ رفعت رأسها من على المنضدة رامية المكان بـنظرة واحدة ، فـأماءت رفضًا قائلة :-
_ مش هنا ..

تفهم ذلك و حرك رأسه بـإيجابية ، مرت دقيقتان شعرت بها فجر بـنظره يتصلب على شيءٍ ما خلفها .. استدارت لـتجد فتاة تجلس على البار اللاحق بـالمطعم ، فخذتاها تظهران بـأكملهما تقريبًا ! فُستان بـفتحة صدرٍ واسعة أبرزت مفاتنها العلوية بـالإضافة لـشعرها الأشقر القصير و زينتها الـمُبالغ فيها .. كانت تحدق الفتاة بـمارد كما كان يحدق بها فـاشتعلت النار داخل جوف فجر بـتلقائية و ركضت الدماء بـشكلٍ أكبر …
أعادت النظر إلى مارد بـحدة لـتجده ينظر لها بـمكر و خبث ..

تمالكت أعصابها و شتت نظرها بعيدًا حتى لا يشعر بـغيرتها ، مرت دقيقتان أُخريتان كانا كـالساعات نسبةً لها و هى ترى فترة الـتحديق الـمُباشرة بين كليهما …
زمت شفتيها لليمين بـغيظ مُتهكم ، و بدء وجهها يـتلون بـالحمرة بطريقة مُبينة و قدماها تتحركان بـسرعة شديدة ، و كـالعادة عندما تُصبح غاضبة تتوجه للـطعام فـأخذت تأكل بـنهمٍ و قسوة مُريبة ! جعلت مارد ينظر لها بـإندهاش هاتفًا :- _ براحة يا ماما ماحدش بيجري وراكي !

هبدت المعلقة على المنضدة بقوة و هي تُصيح وسط مضغها للطعام :-
_ ماكلش يعني عشان تستريح ! تراجع مارد للخلف مُلوحًا بـكفيه في الهواء :- لا كُلي بس براحة عشان ماتُطبيش ساكتة يا حبيبتي ! هتفت بـإمتعاض و عيناها مُنغلقتان :-
_ حبك بُرص ، مش عاجب جنابك بص الناحية التانية .. حرك رأسه بدون إهتمام و هو يُجاريها ، فـعاد بصره يتوجه لـتلك الحسناء بـشبح إبتسامة لـتقبض فجر على الـسكين و تضعه على وجنته تُميله للجهة الاخرى قائلة :-

_ الناحية التانية دي يا عينيّا ها ! جحظت عيناه و هو يلاحظ تصرفاتها الـغريبة ، لـتتسع أكثر عندما وجدها تنهض قائلة بـلهجة آمرة :- _ أنا مش مستريحة في الكرسي ، بدل .. _ مش مستريحة في الكرسي ما هما هما نفس الكراسي يا ماما ! قالها بـإستنكار مُندفع ، لـتُطالعه بغضب ساخطة :-
_ ما قولنا مش مستريحة أنا واحدة صاحبة مرض و مش عاجبني هتقعدني على مزاجك ؟ مط ثغره ساخرًا و هو ينهض :-
_ لا صح إزاي مايصحش أنا آسف .. إتفضلي !

تبادلا الـمقاعد لـيرفع كفيه أمامه مُتسائلًا :-
_ تمام ككدة ؟ أي أوامر تانية ؟! أشارت بـسبابتها لـيهدأ هاتفة بـإزدراء و إستحقار له :-
_ خليك مكانك و لما أعوزلك هندهلك .. أحست بـنشورة غريبة و لحظة إنتصار مبجلة ، فـأخذت تبتسم بـبلاهة لـتلك الشقراء القابعة هُناك يبدو عليها الإمتعاض .. أما مارد فـأخذ يبتسم داخليًا بـخبث عليها و هو يعلم جيدًا سببب تصرفاتها ..
شهقت فجر بـكتمان و هي تشاهد تلك الشقراء تتحرك من موضعها لـتتنقل لـطاولة أخرى بـالمطعم تتقابل مع طاولتهما فـأصبحت وجهًا لـوجه لـمارد ، فـصفعت الطاولة صارخة بـغيظ :- لاااااءاا بقى !!

كتم مارد ضحكته بـصعوبة و تصنع الجدية ينهرها :-
_ في إيه يا فجر وطي صوتك إحنا في مكان عام ! إقتربت فجر بـوجهها منه متسائلة بـتعابير مُفترسة و لهجة هجوم عنيفة :-
_ إنت بتزعقلي أنا ؟؟ لا قوم خدني قلمين يلا إتفضل ! ضحك مارد و أدار وجهه سريعًا حتى يسيطر على ذلك ، فـنظر إليها ثانيةً بـإبتسامة قائلًا :-
_ يا ستي مش بزعقلك ، ممكن أعرف عايزة إيه ؟ _ مش مستريحة في الكرسي ده !

قالتها بـتلقائية و لا مبالاه ، لـتسرع نافية بـشكل أكبر :-
_ لا مش مستريحة في المكان ده كله ، يلا نمشي .. _ نمشي إيه إحنا لسا جايي قاطعت جملته الإعتراضية و هي تقبض على سترته لـينهض فـنهض مُقهقهًا يتمتم :-
_ طب خلاص جاي استني الله يولع فيکِ الحساب !
لم تستمع له و ظلت تسحبه من سترته فـأخرج الأموال على عجلة من أمره و استسلم لـقبضتها الضعيفة تسحبه أينما تشاء ! ••

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!