
— الـمـارد — • الـفصل الـرابع •
( ذهبت بـقلبي لـأصلحه ، فـأصوات دقاته معدومة .. فـأخبرني الحكيم لـيعمل ؟ أذهب و أُنعشه بـضحكاتها الـجميلة … )
•••• نهض الـمـارد عن الأرض مُبتسمًا للـفتاتين و دار حديث قصير مُغلَّف بـالضحكات و الـقهقهات ، انتهى الحديث بـمُبادلة أرقام الهواتف ثم توجه ناحيتها الجالسة تلتهمهم بـنظرات مُتهكمة .. جلس جانبها لـتُبادر بـالقول مردفة :- _ زهقت من الشقط في مصر جيت تشقط في روسيا ؟؟ ده أنا لغاية دلوقـتِ مافيش حد إستجرأ يرفع عينه لـوشي عشان يوصل لـمرحلة الشقط حتى !!
_ لإن عندهم نظر .. أسرع بـقولها بـكل برود و أريحية ، لـتتسع مقلتاها صدمةً و غضبًا في آنٍ .. جزت على أسنانها مع حركة سريعة بـقدميها دلالةً على غضبها فـهتفت بعدها بـعن*ف :- _ بيعوضوا عماا الستات ، ما هم لما يبصولك يبقوا أكيد عُمي ! رمقها بـحدة مُفاجئة فـأشاحت بـوجهها للـجهة الأُخرى حتى تُخمر إبتسامة الشماتة و الإنتصار عنه ، أردفت قائلة :- _ ثم إنت جيت هنا ليه ؟ _ و إنتِ مالك ؟
قالها مُستندًا بـكفيه على المقعد ، متعمدًا لهجة الـبرود بـحديثه ..
رمقتـه من طرف عينيها ثم مصمصت ثغرها دون حديث ..
عم الصمت على كليهما ، تُحدقه الفتاة من حين للآخر بـتأفف و شبه نظرة إستحقار بينما يـرُد هو عن طريق رفع حاجبيه للأعلى فـتبتسم بـطفولة و سريعًا تخـفِ الإبتسامة .. زمت شفتيها للأعلى بـملل ، فـأردفت بـإستياء :- _ و بعدين ..
تنهد طويلًا ثم أخرج كفيه من جيوبه و عقدهما ببـعض و مرفقاه يستندان على ركبتيه ، فـتحدث بـجدية و لأول مرة تشعر بـصوته طبيعي و كم كان ناعمًا وقتها ! ناعمًـا لـدرجة تجعل الـنعاس يتسلسل لـجفنيها بـهدوء و هو يقول :- _ لاقيت نفسي زهقان .. مخنوق فـقولت أنزل أتمشى شوية ، و .. و جابتني رجلي على هنا … جحظت عيناها بـتهكم من جملته لـتندفع بـتلقائية قائلة :- _ لا و الله ! _ على فكرة أنا ممكن أمشي ؟
قالها و هو يلتف إستعدادًا للـنهوض فـلوحت بـكفها في الهواء هاتفة :- _ يا عم اقعد شكلك لقيط و مش لاقي حتة تلمك اقعد .. جلس مرةً ثانية مُحدقًا بها بـغرابة ، كانت ترتدي قُبعة صوفية فوقها وشاح خفيف يـُخبيء عنقها و ملابس تبدو منزلية .. فـسألها مندهشًا :- _ هو إنـتِ بـتعملي إيه هنا صحيح ؟ نظرت له نظرة دونية كأنها تستخف سؤاله ، لـتشيح بوجهها ناظرة للأمام و هتفت بـسخرية :- _ بـتشمس !
حدجها بـجمود و تفحص تعابيرها جيدًا ، لـيضحك و تتعالى ضحكاته أكثر لـدرجة جعلته يُخبيء وجهه خلف كفيه ! كانت تعابير وجهها ساخرة لا تليق بـبرائة ملامحها فـبدت بـشكل كوميدي طفولي جعله يقهقه عليها ..
نظرت له دون أن تبتسم ثم أردفت بعد أن كفت قهقهاته :- _ مـارد ..؟ طالعها بـتساؤل و إبتسامته تحتل مكانة على ثغره .. فـإلتفت له بـإهتمام مُسترسلة :- _ إنت قولت اسمك بيمثلك .. و مارد يعني عفريت فـأنا كدة إتوغوشت !
عـادت ضحكاته تصدح و تتغلغل بـأذنيها ، فـزمجرت بـحنق هاتفة :- _ كفاية ضحك بقى .. مش كلامي صح ؟ إنت عفريت حتى إيه اللي يخليك تيجي المستشفى هاا ؟ استوقفت ضحكاته عندما استشعر جديتها في الحديث ، فـسخر منها و من أفكارها قائلًا بـإستهتار :- _ عفريت إيه ؟ إنـتِ مُتخلفة صح ده على أساس إني لو بني آدم مش هعرف آجي المستشفى ؟ رفعت رأسها تُحدق بـبقعة تتوسط الفراغ ، تفكر بـصوتٍ مرتفع هامسة :-
_ بس إنت لو بني آدم هتيجي ليه ؟ _ و هو أنا لو عفريت هاجي ليه بردو ؟ رمقته بـنصف عين و نظرات شك ثاقبة ، فـضحك بخفة ثم استطرد موضحًا :- _ مارد مش بس يعني عفريت .. مارد يعني ” عاصي ” ، تقدري تقولي جاية من متمرد .. و ده بيشبهني بيشبه طبعي تصرفاتي و حياتي فـسميت نفسي مارد ! أمّا بقى جيت ليه فـحقيقي ماعرفش السبب غير إني زهقت من الوحدة فـحبيت أتكلم مع حد .. و ماعرفش حد ممكن أتكلم معاه هنا غيرك ……
رفعت الـفتاة شفتها السفلية للـعُليا كـالأطفال ، لـتهتف مُصطنعة الحزن :- _ صعبت عليّا .. تأففت ملامحه و تصنع الـرحيل قائلًا ” لا أنا ماشي ! ” ضحكت بـمرح و سارعت بـالتشبث بـمعطفه الأسود قائلة ” لا خلاص خلاص خليك بهزر ! ، أنا كمان ماليش حد أتكلم معاه على فكرة .. ” استكملت بـحماس قبل أن يُباشر بـالحديث :-
_ بس تصدق فكرة حلووة ! أنا هـقلدك .. و قررت اسمي نفسي فجر !
رفع أحد حاجبيه مُتسائلًا :-
_ فجر ؟؟ إشمعنا ! هدأت أنفاسها ، و تنكرت تعابيرها بـقناع الـهدوء و هي تعود للـخلف مُلتصق ظهرها ببـاطن المقعد .. حدقت في السماء التي تبتلع السحب العملاقة بـجوفها لـتهمس بإبتسامة :- _ لإني مُتفائلة جدًا .. متفائلة بـكل فجر يعدي عليّا إني هعدي المرحلة دي بـجدارة ، هتعالج و أرجع أحسن من الأول و استقبل كل فجر بـأمل و طموح جديدة ……
جذب انتباهه فقط كلمة واحدة من حديثها .. ” هتعالج ” لـيُدقق بـملامحها أكثر و فتح فمه استعدادًا لـيسألها تتعالج من ماذا ، لـكن تجمدت الحروف على لسانه عندما لاحظ شيئًا غفل عنه سابقًا .. حاجبان شبه إنعدم الشعر منهما ، فقط خط بسيط جعل من هيئتها طبيعية لا تثير الشك حتى لم ينتبه لهما في السابق لكن الآن شعر بـغرابتهما .. لاحظت تحديقه بها ، فـابتسمت إبتسامة لم تطل لـمقلتيها ثم قالت :- _ أيووة سرطان .. سرطان دماغ
إجفل و تحركت أهدابه بـإضطراب ، فـنظر للأرض هامسًا بـهدوء :- _ إحم .. آسف ما أخدتش بالي ، و ماجاش في بالي أنك تكوني بتتعالجي شكلك عكس كدة تمامًا . _ عادي على فكرة ما تعتذرش ، بس مش فاهمة شكلي عكس كدة إزاي ؟ _ أعرف إن المرض ده مُتعب .. بس شايف العكس فيـکِ ، رغم إني قابلتك مرتين بس كُنتِ دايمًا بتضحكي .. بتهزري ، عينيـکِ بتلمع بـشكل ….. بـشكل مُبهج !
رُسمت إبتسامة على محياها الصغير ، كان يتأمل عينيها الـعُشبيتين بـشرود دون وعى تناقات حروفه من داخل قلبه مُباشرةً .. أشاحت بـوجهها عندما خجلت من نظراته الـهائمة بـعينيها … تنهدت بـعمق ثم قالت :- _ لإني مُتفائلة ، و جدًا كمان ! حسا إنه بس إمتحان إختبار صغير هعديه يعني هعديه .. بس أنا مُصِّرة أبقى قوية فيه ! أبقى مِثال لـكُل المرضى التانيين و أحس بـفخر كبير لما أتجاوز المرحلة دي و أنا أقوى مش أضعف …
صمتت لـثوانٍ تراقب حديثها على تعابير وجهه المُبهمة ، أحست بـعينيه لمحة شفقة تجاهها فـشعرت بـنفور داخليّ من تلك النظرة المُقززة بالنسبة لها .. لـذلك هبت واقفة على حين غرة مُتحركة لليمين و لليسار بـطريقة مسرحية مُتغنجة و هي تهتف بـإصطناع :- _ و هسلم على الكل من طرف صوابعي ، هتغر عليهم كلهم لإني أقوى منهم مش كدة ؟!.. ابتسم مـارد بـحنانٍ لها ، لـيؤيدها بـإيماءة من رأسه إيجابية .. وقـف أمامها هامسًا :-
_ إنتِ أقوى من الـكل حتى أنا يا … يا فجر ! بادلته فجر الإبتسامة بـمثلها على إستحياء ، ريثما شعر هو بـدوار صاحبه من مُدة طويلة و مازال بجانبه .. دوار ظل بـجانبه سنوات عديدة بينما الأصدقاء و الأناس يرحلون بين الليلة و ضُحاها ، إختل توازنه للـحظة لـتسارع فجر قابضة على ذراعيه بـهلع هاتفـة بـخوف ” إنـت كويس ؟؟ ” أخذ نفسًا عميقًا يُحاول وزن عقله قبل جسده ، لـيقف بـهدوء قائلًا :-
_ أنا كويس كويس .. _ تحب تروح لـدكتور ؟ _ لا لا مافيش حاجة .. أنا همشي _ تحب أوصلك الوقت متأخر و ولاد الحرام كتروا في الدنيا دي ده غير كلام الناس يااااااختي على كلام الناس مش سايبين حد في حاله !! عض مارد على شفته السفلية بـإبتسامة تهكمية مرحة ، لـيقترب منها رافعًا إصبعيه بـحركة تحية مُتمتمًا :- _ شُكرًا يا أم الأصول كُلك واجب .. إمشي إنتِ بس عشان كلام الجيران اللي مش سايبين حد في حالهم …!
ضحكت بـخفة فجر ، فـظهرت الشمس تتلالأ بـمحياها ..
دون إبتسامة ؟.. كـالليل وقت الفجر هادئة تجذب الأنظار و تريح الأذهان ..
بـإبتسامة ؟.. بزغت الـشمس و تلعلعت بـالسماء فـزادت الأمـر بهجة في الوجدان .. فقط ضحكتها جعلت الدماء تتراقص داخل العروق ، جعلت قلبـه يزداد نبضاته الـمدفونة بـورقة تكونت فوقها غبّار .. لم يعتد أبدًا على تلك النبضات الحامية ، كان صامتًا لـدرجة لم يشعر به يومًا لكن الآن بدا سعيدًا مُتوهجًا لـرؤية حبيبات الألماس مُتعلقة خلف ثغرها الصغير .. كـأن تلك الـضحكة جهاز الإنـعاش الذي دبّ في أوصال قلبه الحيـاه ……
شعرت به يميل أكثر عليها و الشرود يحتل تعابيره ، فـابتسمت داخليًا بـخبث جليّ و تصنعت الهدوء من الخارج بل بادلته الإقتراب حتى أصبحت مسافة قصيرة بينهما ..
و فجأة صرخت بـوجهه لـينتفض مُرتدًا للـخلف بـفزع و هلع من تصرفها الأهوج السخيف ! صقفت بـكفيها كـالأطفال و هي تصيح :- إتخضيت ؟؟ و الله العظيم
إتخضيت .. يمين بالله تلاتة إتخضيت ! ضحك على سخافتها و الطفولة التي تعيشها مُتأخرًا بعد أن كانت ملامحه مصدومة مستنكرة ، حاول إصطناع الجدية فـكتم ضحكته و خبأها لـيصرخ بها :- بسسس !!
استوقفت قفزاتها الـمُتتالية لـترمقه بـإمتعاض ، لـينهرها قائلًا :-
_ ماتخضتش و لا نيلة بس في حد عاقل يعمل الهبل ده ؟؟ وضعت كفيها داخل جيوب السترة الصوفية الطويلة لـتهتف بـفخر و رأس مشموخ :- _ ههه .. مين قال إن أنا عاقلة ؟! _ و مالك بـتقوليها بـفخر أوي كدة ليه ؟؟ دي عندكم حاجة حلووة زي الـچيلي ككدة ! قالها بـتهكم ساخطًا ، لـتنكمش ملامحها أكثر هاتفة بسخرية و إستهجان و قد استدارت للجهة الأخرى الخاصة بـالمشفى :-
_ ااآهه لا ده أنت بـتستظرف بقى و أنا كدة هستأذن عشان ميعاد نومي جه خلاص يلا سلام سلام سلام مع السلامة مع ألف سلامة في رعاية الله في حفظ الله مع .. لكزها مارد بـذراعها من الخلف فـكادت أن تسقط لولا أنها تماسكت ، طالعته فـوجدته يُجاهد من أجل ألا تظهر إبتسامته على محياه و يحاول بجهد أكبر رسم الجدية على تعابيره و بات فاشلًا ، فـسألها يُشير نحو المشفى :- _ بتباتي فيها ؟
_ لا ده أنا لابسة بيچامة و لكلوك في رجلي و قاعدة في الجنينة بس ساكنة في سايبيريا فوق هاخدها جري لـهناك أهو ! تأفف و إنزعاج ظهر عليه ، فـضر*ب كفيه بعضهما البعض موبخًا إياها و كفه يقبض على سترتها من مؤخرة رأسها :- _ إنـتِ ماينفعش تكملي دقيقتين جد من غير هزار و لا لماضة ؟
نفضت قبضته عنها و هي تلتوي مُعقبة بـصوت مرتفع ساخط :-
_ ما أنت إللي بتسأل أسئلة مش منطقية أبدًا !
صاح بها بـإنفعال عاقدًا ساعديه أمامه :-
_ تعالي خُديني قلمين ؟ لا بجد تعالي خديني قلمين عشان الست هانم تستريح ! صمتت و لم تعقب فقط حدجته شزرًا ، فـأستطرد بـتهكم و سخط :-
_ لا بجد إتفضلي يعني ده لو هيريحك ! جعلت شفتيها على شكل إبتسامة سمجة مُصطنعة و ملامح إشمئزاز على وجهها تعمدت رسمهم ، فـمالت رأسها للـيمين هاتفة :-
_ ماما قالتلي ما أجيش جنب العيال الرزلة ..! إلتوى ثغره بـإبتسامة جانبية ، فـرفع رأسه للأعلى يحدجها بـغرور و أعاد كفيه لـموضعهما في جيوبه ..
همس بعد لحظات بـهدوء :-
_ مين معاکِ و مش عايز لماضة ؟ أجابته بـهدوء و ثبات :- ماما .. أومـأ بـرأسه ، لـيتنهد طويلًا ثم يُردف بعدها :- أنا همشي . سارعت بـالرد و لم يتغير موضعها أنش :-
_ يكون أحسن بردو عشان عايزة أنام و مُحرجة أكرُشك من هنا .. طالعها ببرود و ما لبث ثوان و فشل في إظهار ذلك ، فـضحك بـخفة و استدار فورًا للـرحيل ..
إستوقفته هاتفـة :- _ لو مالقتش حد يعبرك و فضلت وحيد كدة تعالى ، إسأل عن مُنايا سعيد و ألف من يدلوك على مكاني .. هـتلاقيني في قسم الأطفال باكل سيريلاك معاهم !
وقف بـملامح مندهشة من آخر كلمتين ، لكن فهمها على ما يبدو و حرك رأسه مؤيدًا بـتهكم لـيستدير مرة أخرى و وقتها ظهرت إبتسامته الواسعة .. سمع صوتها يخترقه ثانيةً قائلة :- _ صحيح إنت اسمك الحقيقي إيه ؟؟ لم يتوقف فقط استدار لها و ظلت خطواته ترتد للخلف ، انكمشت تعابيره لـيهتف بصوت مرتفع مزمجرًا :- _ خليكي في حالك كفاية فضول بقى ! فغرت فمها شاهقة بـغيظ ، و فورًا توجه بصرها للـبحث عن شيء تقزفه بها فلم تجد شيئًا .. هتفت بـإستياء لنفسها ” و إيه البلد اللي مافيهاش طوبة واحدة دي !! ”
•••••••