
————
بـإمكانك أن تعيش وحيدًا و تُدير حياتك بـشكلٍ جيد .. لا تعتقد أن الإتكاء على الآخرين موضع آمان ، فـلا أحد يدوم .. جميعهم يستديرون لـيرحلوا ……
° أُولى قوانين الـسعادة تكمن بين ثنايا كلمة واحـدة ” الـوحـدة ” … °
الـوحدة بعيدًا عن نفاق الـبشر ، عن ريـاء المجتمع و فـساد الـكوكب ..
فقط أنـا و الـقمر و اللعنة على الـبقية !
لكن يبدو أن للـقمر بديلًا في قاموس أحدهم ،، فـنسبةً للــ ” مـارد ” تقتصر الحياة عليه بـصحبة الـفساد .. و أيضًا اللـعنة على الـبقية !
————-
بـإحدى الـدول الـعُظمى تحديدًا ” روسـيـا ” قطعة الـفردوس الـساقطة من ثغر الـسماء …
انهار الـثلج لـيحتوى سطح الـمدينة بـأكملها داخل جـوفه ، كـالعادة الـمُتزامنة مع حلول شهر ديسمبر شهر الـفخامة ، الـعظمة ، الـحُب ، الـبُكاء و أخيـرًا شهر الـوحدة !..
يلهو الـجميع مرحى ! يُمارسون هوايات الـشتاء الـمُفضلة أشهرهم الـتزلج ،، و الـبعض في الأركان يتبادلون الـعناق ؛ علّ العناق يزيد الـدفيء بـالأوردة فـيطغى على برودة الـجو الـمُدمِّرة …
و الـبعض يجلسون بـمنازلهم يلتفون حول طاولة الطعام بـدفيٍء أُسري تلمع له الـعيون …
الـبعض مُدَّثرون تحت الـغطاء الـسميك فـتتسلل الحرارة لـأجسادهم شيئًا فـشيء …
تنوعت مظاهر الـدفيء ، و منهم تلك الـظاهرة التي تُعد من أغربهم و أكثرهم شذوذًا ..
فـفي منزلٍ بسيط بـتلك الـمدينة الـجليدية ، تربع شابٌ بين جدران الـمنزل الصغير مُحتويًا بين سبابته و إصبعه الأوسط سيكارًا يلتهمه بين شفتيه .. يتنفس عبقـه بـتأنٍ و يبدو على ملامحه الـتأثر الشديد و لما لا ؟؟ فـتلك المادة الـمضمودة داخل ورق الـبافرا تُـعَد أقوى أنواع الـمُخدرات الـتي لها الـقُدرة على سلب الـعقول من مُجرد ذكرها فقط !.. كانت لها الـقُدرة أيضًا على بثّ الـدفيء بـعروقه الـباردة …
طـارت الـسيكارة الـمُخدرة من بين أصابعه كما بدأت صور مختلفة تُحلق و تُداعب ذاكرته و تركض أمام مقلتيه ،
صورة لـوالده يسقط فوق جسده أبوابًا حديدة هشمت عظامه و دهست أشلائه فـأصبح شظايا تحت كوم الأبواب العملاقة .. صورة لـوالدته بـالأسود تتصارع مع جفنيها حتى لا يـفُكا الحصار عن الدموع الـغزيرة الـمحبوسة بـالداخل خاصةً أمام الفوج الذي يُعزيها ،، صورته وسط أسرته التي باتت ضئيلة مُنكسرة فاقدة الآمان بعد وفاة الأب .. يجلس بـالمقعد الخلفي من السيارة بينما في الأمام يمسك زمامها أخوه الـكبير و والـدته و كانوا في طريقهم لـرحلة صيفية تُنسيهم مرار الـماضي و آلامه ، وقتها سقط هاتفه بـأرضية السيارة فـإنحنى لـيلتقطه لكن صدح بـأذنيه صوت صرير قويّ و فوريًا صاحبه ارتطام أقوى .. و هُنا تبخرت الـصورة لـتحل مكانها أخرى لـه يقف بـحلة سوداء يتسلم تنعيات الـكثير كما كانت تفعل والـدته سابقًا ، لكن هذه المرة كان عزائها هي شخصيًا ! و للأسـف لم يكن عزائها وحدها صاحبها عزاء أخيه فـأصبح وحيـدًا تمامًا ، إنقضت الأسرة و رحل الجميع ..
° الـمو*ت دائـرة و تحوم حول الـجميع ، لا مفر من هذه الـنهاية الـمحتومة فـتقبلها راضيًا حتى لا تتقبلها قسرًا … °
و فـورًا حلقت الـصورة في الهواء ،، لـتتوالى الصور واحدة ثم الأخرى بين سائح جديد لـحياته و مُغادر .. بين لفحة هواء باردة و آشعة شمس حارقة كانت حياته ، مُضطربة ليس لها أساس …
شهق بـعن*فٍ ثم سعل بـقوة ،، نهض من جلسته على الأرض لـيترنح واضعًا كفيه على وجـهه حتى وصل للـمرحاض .. أسقط رأسه تحت صنبور المياه بـنفاذ صبر كأنه يريد التخلص من شيءٍ ما … ظل هكذا طويلًا قبل أن يقبض بـكفيه على المنشفة و يحاوط بها عنقه دون إهتمام ، خرج من المرحاض فـوقف أمام حائط ما بـالغرفة مُمسكًا بـقلم أحمر لـيقربه نحو اللوحة الـمُعلقة و الـتي تضم أرقام من واحد للـمائة ، خطا بـالقلم على رقم – تسع و أربعين – …
تسعة و أربعون ! معنى ذلك أن الـوقت الـمُتبقى خمسون يومًا فقط للـسعادة !
لـيلقي بعدها نهايته الـمُعتادة كـالآخرين ” الــمو*ت ” ……!
كـذلك أثبتت الـفحوصات و الآشعات اللازمة ، أزمات صحيـة سـتنتهى بعد مائة يوم بـخروج روحه عن جسده ..
سـتنتهى الأمـراض ، تنتهي الـذاكرة و الألـم سـينتهي كُـل شيء و معها حياته !
حسنًا ، إن أُخبِرت أن وفاتي بعد مائة يوم لا أتوقع أفعال سوى ” الـعـبـادة ” .. الـدُنيا على وشك الـفناء فـلماذا لا أعمل لـجنة الخلود ؟؟
أمّـا ” الـمـارد ” ؟ من جنس إبليس أبى و استكبر ، لم يُنهك تفكيره في الـجزاء و الـعقاب .. في الـنعيم و الـشقاء .. في الـجنة و الـنار فقط كل ما وثب لـعقله هو ” مائـة يومًا من الـسعادة ! ”
مائة يوم من الـفساد ، مائة يوم دون حدود ، دون قانـون ..
مائة يوم لا صواب لا خطأ ، لا حلال لا حرام ..
فقط ذلك ” الـمـارد ” قرّر الـسير في طريق أجداده ، طريق الـشهوات و تبًـا للـباقيات ……
يتبع
– الد
سـار مُقتحمًا شوارع الـمدينة الـجليدية شاردًا ،، فعل كـل شيء خطر بـفكره .. لبّى رغباتـه واحدة تلو الأخرى دون أدنى تردد .. لكن على الرغم من ذلك ليست الـسعادة الـمطلوبة أين الـبريق في عينيه كما شاهد في الأفـلام ؟ أين اللهفة على الأمـوال و الـركض خلف أجساد الـنساء و عدم ترك زُجاجات الـخمر من الكفين أين ؟؟ فـقد تـرك لـنفسه محاولات تجربة تلك الأشـياء لكن مـلّ سريعًـا … حتى وجوده في تلك الـدولة الـرائعة كان بسبب رغباته …
لـفت إنتبـاهه الـشارد أصوات نحيب و بكاء ، إلتفتت لـيجد منزلًا على يمينه مُصتفة سيارة الإسعـاف و حول الـمنزل وقف الناس يبكون مُتألمين و يبدو أن أحد أحبائهم فقد دُنياه …
عاود السير بـشكلٍ أسرع مُبتسمًا بـسخرية ، ها هو فقد الجميع و شبه يفقد نفسه شخصيًا لكن قويّ ، أقوى من الـناس جميعًا لم يبكِ و لم تسقط دمعة واحدة من حدقتيه فـهنّأ نفسـه بـعزة و فخر …
وسط شروده و دوامة أفكاره لم يرى تلك الـفتاة التي كانت تسير أمامه فـارتطم بها بـقوة مما أسقطها أرضًا مُتألمة ، لم يعبأ بها بتاتًا و واصل سيره فـسمع صوتها تـصيح بـغضب و سخط :-
_ وغد حقير ما عندهوش ذرة نخوة واحدة !! ما أنا لو كُنت في بلدي كان زمان الشعب كله قومني … دي كانت مصر بـذات نفسها قومتني !
وقـف و زادت حدة الـسخرية على تعابيره ، فـتراجع للـخلف بـظهره حتى وصل إليها ثم جثى على رُكبته مُردفًا :-
_ أهلًا بيكِ ، معـاکِ الوغد الحقير اللي ماعندهوش ذرة نخوة واحدة .. من بلدك اللي شعبها كله هيقومك …
جحظت عيناها عندما وجدته نفس جنسيتها ، و تلونت الوجنتان بـشيء من الأحمر من موقفها الحرج فـرفعت رأسها حتى لا يستدل على حرجها ثم صاحت بـكبرياء و أنف مشموخ :-
_ أنا كنت بنافق على فكرة ، بعمل نمرة قدام الروسيين مش أكتر لكن روسيا ؟؟ ده شباب روسيا كلهم يتنافسوا علشان يقوموني إن ماجتش روسيا بـنفسها توجِب !
زغلل حدقتيه بـملل ، لـينهض مُتأفئفًا مُستديرًا للـرحيل قائلًا بـإبجاز :-
_ حلو أوي ، هاتي روسيا تقومك بقى ..
تحرك بـالفعل مُبتعدًا ، لا يعبأ بـصياحها و مُناداتها له بـشتى الـكلمات كـ ” يا كابتن !! يا كابتن استنى بس قومني طيب .. يا حضرة خلي عند اللي جابوك شوية أحمر و استناني طيب ! ” وجدت لا مفر من مُساعدة نفسها بـنفسها و نهضت منفضة ملابسها بـكفيها ثم أسرعت خطواتها حتى تلحق به ، وصلت إليه فـحمحمت ثم همست بتأتأة :-
_ اححممم … آ آ أنا بـصراحة تايهة ، حبيت أعمل سترونج ومان و نزلت لوحدي في الـبلد اللي كل حتة شبه التانية دي و مش عارفة أروح و سيبت موبايلي و حاجتي كلها … فبما إننا بلد واحدة و جدعنة مشتركة يعني ممكن تساعدني ؟
_ لأ ..
هكذا أجابها بـكل بساطة ما إن تفوهت بآخر حرف ، لم يأخذ وقتًا للـتفكير حتى … ابتسمت الـفتاة بـتسلية و هي تحك كفيها ببعضهما تصيح بـحماس :-
_ أوكييه شكرًا جدًا لـكرم أخلاق حضرتك ، عايزة أروح مستشفى ******* عارفها ؟
رمقها بـإستهجان جليّ من طرف عينيه ، لـيعاود النظر أمامه دون أن يُبدِ رد فعل تجاهها .. أخرج من جيب بنطاله هاتفه يتفقد الساعة لـتتهلل أساريرها و تتسع مقلتاها بـصدمة بالغة فـصرخت بـ ” مش معقول ! آيفون إكس ؟ ”
اندهش و ارتفع حاحباه بـإستنكار من صدمتها الـمُبالغ فيها ، لـتكمل هي بـنفس الإنبهار :-
_ ده لسا نازل من قريب جدًا و غالي !
إلتوى ثغره بـتهكم ، فـأعقب دون إهتمام قائلًا ” و إيه يعني ؟ ”
ارتسمت إبتسامة سخرية على وجهها ، لـتكرر جملته بنفس النبرة الفارغة ساخرة ” و إيه يعني ؟؟ لا أبدًا مفيش بس بتشتغل إيه عشان تشتريه بـقلب جامد كدة ؟ ”
وقـف بـمكانه مُستديرًا لها ، قاصدًا النظر داخل عينيها الـبُنيتين .. لـيهمس بـخفوت أمام وجهها من باب تحميسها أكثر قائلًا بـإبتسامة مكر داخلية :-
_ حرامي .. بشتغل حرامي …!
لم يبدو عليها التأثر ، بل رفعت أحد حاجبيها بـغرابة فقط .. فـاسترسل هو بـخبث :-
_ خافي على نفسك بقى ..
مطت الـفتاة ذراعيها في الهواء بـلا مُبالاه ، هتفت بـإبتسامة باردة قصدتها لـتُثير أعصابه :-
_ ماقولتلك معيش حاجة ، مافيش حاجة تسرقها شوفلك حد غيري ..
اقترب منها متعمدًا ، ناظرًا لها مُصتنع الخوف فـأخذ يُطيح بنظره يمينًا و يسارًا كأن أحدهم يلاحقه .. و بـخفوت شديد بث فحيح صوته داخل مسامعها هامسًا :-
_اللي يسرق جنيه واحد ، مُستعد يسرق أي حاجة يا حلوة مش كدة ؟
كان ينطق كل حرف مع إتكاء عليه في سبيل إيصال مقصده ،، فـاستنتجت أنّها الـمقصودة من عبارته الـمُريبة .. حدقت المكان من حولها ببطيء لتجد الشارع فارغًا خاليًا من البشر …
تنحنحت مرتدة للخلف بضعة خطوات حتى باتت مسافة مُقنعـة للـفرار و الـهروب فـعدت داخلها ” واحد .. اتنين .. تلاتة ” و فـورًا إنطلقت الـمُهرة تركض بـأقصى سرعتها حتى وصلت لـنهاية الـشارع و الغريب أنه لم يتحرك أنشًا واحدًا بـل إتسعت إبتسامته على سذاجتها الـمُطلقة !
وقفت مكانها بعد أن صارت المسافة كبيرة فـلن يستطع الإلتحاق بها ، رفعت كفيها حول ثغرها كـالقرطاس لـتصرخ بأعلى حِسّها حتى يستطع سماعها
” زهقتم من النصب في مصر جيتوا تنصبوا في روسيا ؟؟ عـرتونا وسط العالم إلهى تنفضحوا ! ”
سمعها الـمـارد و احتفظ على تعابيره الـراسخة دون إتهمام ، كـأنها ذُبابة مزعجة تـُعطِ رنـة بـالجو .. أو كـكلبٍ مُزعجٍ أكثر من الذبابة يُعطِ نباحًا لـجذب الأنـظار فـتجاهله الـمارد عمدًا …
انفرج ثغرها بـوسعٍ أكبر و نظرة فخر و تباهٍ تلعلعت داخل حدقتيها كـأنها ظفرت بـمعركةٍ ما فـأخذت ترمقه بـازدراء مع خطوات قدميها المرتدتين للـخلف …
شهقت وقت شعورها بـإنصدام ظهرها مع احدهم ، إلتّفت لـتجد شابين بـملامح أجنبية يبدو عليهم الـسُكر و الـعته الشديد .. يترنحون بـثمالة متمتمين بـكلماتٍ لم تـعِ منها شيء ، لكنها أخذت ترتجف بـرعب بسبب محاولة أحدهم التحرش بها و ملامسة جسدها ريثما يحاول الآخر قـيد ذراعيها الـضعيفتين !
نظرت للـخلف و كانت النتيجة ظلام يتشدق بـالمكان ، أين ذهب ؟؟ كان بـالشارع كان متواجد يُطالعها بـاستهتار و صـلابة متى غادر ؟ و اللـعنة فـليأتِ فقط لإنقاذها من بين براثن الـوحوش و أنياب الـذئاب الـحامية … أغمضت عينيها لـثوانٍ ثم سحبت نفسًا عميقًا ، لـتفتحهما مرةً ثانية بـشجاعة أكبر و حاولت على قدر الـمُستطاع إزاحة كفوفهم الـعابثة عنها و هي تصرخ ببعض السبائب و الشتائم بـاللهجة الأجنبية ، فقط لو كان معها حقيبتها لـكانت سيطرت على الأمـر سريعًا من صفعة واحدة منها لكن حتى الحقيبة ترتكتها …
توجهت لـأسلوب دفاع أقوى فـدفعت أحدهم بـقبضتيها و على أثرها سقطت هي أرضًا ليس هو !
استندت بـمرفقيها على الأرض الصلبة تشعر بـألم بالغ على طول عامودها الـفقري ،، أغلقت عينيها بـألم مُـصدرة أنين خافت ثم فتحتهما لـيتصادم نظرها مع ذلك الشاب بـاللحية الـمُشعثة جالس على الناحية الأخرى من الطريق .. يُدخِن سيكاره بـبرود الـدُنيا و ما فيها ، بـبرود جبال الهيمالايا و جليد الـمحيط الـهادي ، بـرود يحيط بـحزقتيه كـغشاوة ضلّت بصره و أعمته .. تمامًـا كـالجو الـثلجي الـمُحيط بـتلك الـمدينة الـشاسعة …
تدفقت و ركضت الـدماء بـالأوردة كـالفيضانات ، شعور بـالحنق و الـسخط تخبأ داخل خلاياها خلية تلو الأخرى مما رفع معدل الأدرينالين بـجسدها فـاحتدت ملامحها بـشراسة و أقسمت بـنواياها أن لا تستنجد بـوغدٍ مثله …!
هبت واقفة بـإندفاع و أسلوب مباغت لـتنقض على أحدهم تخدشه بـأظافرها و تلكم كل ما طاله كفاها ، لـكن خدع ثقتها الآخر عندما قيدها الآخر و كبل حركتها فـأخذت تلتوي راكلة الهواء بـقدميها قبل أن تشعر بـملمس الأرض تحتها و الشخص الذي كان كان يكبلها مُلقي على الأرض يستقبل العديد من الركلات في شتّى أنحاء بأنه ، أمّا الآخر فـركض بعيدًا عندما وجد هجوم ” الـمـارد ” الـعنيف على صديقه …
هدأ جسده فـيبدو أنه دخل في إغماءة ، حدق ” المارد ” بـالفتاة الـمعتكزة على الأرض بـمرفقيها و التي نهضت للتو متجاوزاه دون إهتمام أو نظرة .. أمسك بـساعدها و هي تسير جانبه لـيهتف بـصوتٍ أجش جد :-
_ أنا سيبتك عشان تتعلمـي الدرس ، و بتمنى تكونـي إتعلمتيه ..
ترك ساعدها و رمقها نظرة غريبة لم تُفسرها ، لـيرحل من أمامها دون أن يفـه بـحرف آخر ..
بينما وقفت هي تحاول الإستيعاب ، ما هو الدرس ؟؟ ما مقصده من ذلك ! صدح صوتها الـمُرتفع تسأله مستفسرة :-
_ قصدك إيه ؟؟
إلتفت لها و مازال يتحرك للـخلف بـإرتياد ، لـيُصيح :-
_ الـخطر .. الـمجرمين .. الـبلطجة … كل دول عاملين دايرة حواليـکِ ، مهما روحتي مش هتخلصي منهم بس .. بس بيفرق حجم الـدايرة من مكان للتاني !
استدار موليها ظهره ، و أكمل طريقه الغامض .. ريثما ظلت هي تفكر بـجملته ، بـحاجبين مرفوعين و ثغر منفرج …
أدركت مقصده …
المقصد هو الخطر بـكل مكان و زمان .. بـالبلدان النامية كما بـالمتقدمة ..
يحوم و يحاوط حول كل شخصٍ كـالدائرة ، و يختلف حجمها يُعني إختلاف نسبة الإجرام من بلد للآخر … قـلة نسبة الإجـرام لا يُعني الأمن التـام فـالنفوس الخبيثة منتشرة ، و الخطر الحقيقي يبدأ من نابع النفس و أصلها …… يبدأ بـالشيطان الـراكد داخل كل عقلٍ يُثابر من أجل إتلافه …
أدركت أن حديثه فُتح من باب جملتها “” زهقتم من النصب في مصر جيتوا تنصبوا في روسيا ؟؟ عـرتونا وسط العالم إلهى تنفضحوا ! “”
و جاء رد السماء بـسرعة الضوء تمامًا !
أدركت أيضًا أنّها وحيدة الآن بـطريقٍ مظلم فما لها إلا الركض بـإتجاه ذلك الشخص الغريب للإتحاق به تصيح بـعلو ” يا كااااابتن استنى أنا مش عااارفة طريق المستشفى !! ”
يتبع
••••
( رحل من ظننتهم أولى بـالـبقاء )
••هلّت المشفى بـطلتها الـمُبهجة رغم محتوى الألم الـداخليّ ، أنوار عديدة أضاءت المكان فـاستطاع المارد الآن رؤية تلك الـمجهولة بـوضوحٍ أكبر ..
ملامح بسيطة كثيرًا جعلته يبتسم بـودٍ ، عينان مُتسعتان بـاللون الـعُشبي النضج .. أنف صغير ، ثغر كـنِز و بشرة قمحية بـدرجة بسيطة ..
حاجبان خفيفان بـالكاد يظهران .. وشاح يُغلف شعرها فـلم يتبين لونه حتى ، ترتدي معطف أسود كثيف يُلائم حالة الجو و برودته ..
ابتسمت مُردفة بعد صمت طريق طويل :-
_ شُكرًا يا …
_ مارد .
هكذا قال بـهدوء ، لـتنكمش ملامحها هاتفة بـإستنكار :-
_ مارد ؟؟ اسمك مارد ؟!
رفع حاجبه مُجيبًا بـإيجاز و كفاه ينقبضان داخل سترته الجلدية :-
_ لأ ، أنا سميت نفسي كدة ..
ضحكت بـبلاهة عقب جملته ، لـترفع سبابتها مستكملة بـتلقائية :-
_ دمك خفيف ماشي ، اسمك إيه بقى ؟
ضحك على ضحكتها الـبلهاء ضحكة بلهاء أخرى فـأصبح حديث مرح بينهما ، وزع نظراته بـالمكان قائلًا بـجدية :-
_ مش بهزر على فكرة سميت نفسي مارد .!
تحولت تعابيرها للـجدية قليلًا و عقدت حاجبيها بـغرابة .. فـسألته بـطلاقة :-
_ طب ليه ؟؟
لمحت إلتواء ثغره بـإبتسامة صغيرة ، لم يُحب أن يتفوه بـشيء يخص حياته لكن هيئتها اللطيفة جعلته يتغافل عن ذلك فـاستطرد قائلًا :-
_ لإنه بيمثلني ..
تركزت حواسها له تتابعه بـإهتمام شديد ، تأففت من رده الذي لم يشبع فضولها فـهتفت بـزمجرة :-
_ إنت بتسكت ليه بتشوقني يعني ؟؟
قام بنفس حركة وجهها و لهجة حديثها هاتفًا :-
_ و إنتِ مالك يعني ؟؟ المستشفى اللي قولتي عليها وراكـِ .. سلام !
هم بـالرحيل فـاستوقفته بـلهفة مُلحة :-
_ لا استنى ماتمشيش قبل ما تقولّي سميت نفسك كدة ليه ..؟
رفع حاجبيه و اتسعت عيناه بـدهشة من تصرفها ، فـرفع سبابته مُحذرًا :-
_ إنتِ فضولية جدًا على فكرة !
انتفضت في وقتها مُقتربة منه أكثر مُسرعة قائلة بـتأييد :-
_ جدًا جدًا كمان !
شدّ طوله أكثر و رفع ذقنه للأعلى فـكان جذابًـا بـصلابته و معطفه الأسود الـطويل بـعنق ممدود حتى لحيته الـكثيفة ، هتف بـصلابة و نبرة جليدية :-
_ و أنا بكرهه الـتطفل و الفضول ، حتى لو تلاحظي ماسألتكيش هتعملي إيه في المستشفى ؟!
لوت عُنقها ترمق المشفى الضخم بـإبتسامة جانبية ، عاودت النظر إليه لتقل بـخفوت :-
_ معاك حق .. وحش التطفل .
_ سلام …
شدّ معطفه حول جسده أكثر ، مُلتويًا عائدًا لـمنزله تحت إبتسامتها الجميلة ..
••••••
سار سن الـقلم على الرقم سبع و خمسين ، مر أسبوع عليه لم يطرأ شيئًا جديدًا ..
يشعر بـالكآبة تترابط حوله كـخيوط الـعنكبوت ، أين السعادة ؟ أين لَذة الممنوع كما يُقال ؟ أين الشغف و الدافع ليـكمل أشياءً سواه يحلم بها و هو نفسه كان يحلم بها دومًا ؟ أين الإدمان على شهواتـه و الـرغبة الجامحة فـي إطالة كل حرام و كل خطأ ؟ لم يعد لديه طاقة لـأيّ شيء بعد .. أيُعقل أن تكون شظايا ضميره مازالت مُستيقظة حتى الآن ؟! أيُعقل أنّ مازالت هُناك بقعة بيضاء وسـط قلبه الأسود ؟!
أمسك سيكاره بين أصابعه و رفعها ببطء نحو ثغره ، يُقال أنها مُخدرة رغمًا عن ذلك لم تُخدر ذكرياته السيئة و وحدته الخالدة .. بل تبعث بـالذكريات و تُسللها عنوًا إلى عقله فـتزيده إكتئابًا على إكتئاب …
لـذلك دون مقدمات ألقاها أرضًا و دعسها بـقدمه قسوةً …
ألقى ” الـمـارد ” رأسه على حافة الأريكة ، يبلغ من الـعُمر الثلاثين .. وسيم الملامح فيما سبق أمّا الآن يُشبه رؤساء الـمافيا بـهيئته المُخيفة و شعر رأسه الكثيف ، و على النقيض يُشبه المساكين بـهيئته البالية و تعابيره الواضح عليها الإنهـاك ..
و لما لا ؟؟
فـثلاثون عامًا قضى مُعظمهم بين الجدران وحيدًا بعد وفاة أُسرته الصغيرة التي لم يكن يملك سواها .. كانوا بـالأساس جدرانه الأربعة ، يستند على الآخر كُلما رحل أحد ، يعتكف داخل زواياهم و كفى بـذلك أمانًا ..
و الآن رحل الجميع ، لم يعد أمامه سوى خيارين … إما ترك الجدران تسقط فوق رأسه إربًا ، إما أن يسندها هو بـطوله بـمفرده ! حتى يلحق بهم فيما بعد ……
أطلق زفيرًا طويلًا ، يشعر بـالحمم البركانية على وشك الـصعود و الفيضان من جوفـه .. فـأمسك بـمعطفه الأسود و خرج من المنزل بـأكمله …
ابتلعته الشوارع و الطرق واحد ثم الآخر و قذفته لـطرق أُخرى حتى وجد نفسه أمام الـمشفى ، ساقته قدمه إلى هُناك فـوقف بـإنهزام أمامها لا يعلم أيعُد ؟ أم يلج للـداخل دون هدف !
و قبل أن يتخذ الـقرار وجد نفسه مُسطحًا على الأرض بـسبب دفعة أحدهم ، نظر لـيجدها الفتاة نفسها تطالعه ببرود و لا مُبالاه و فورًا تحركت بعيدًا دون أن تعيره إهتمام حتى جلست على مقعد حديديّ يتوسط الحديقة .. ضحك بـخفة عندما فسّر سلوكها الـمُتهور ” دايـن تُـدان ” فـقد أسقطها سابقًا و لم يمُد يد الـعون فـابتسم مُتسليًا ثم صدح صوته بـإرتفاع حتى يصل إلى مسامعها :-
_ طب قوميني طيب ! ما أنا لو في بلدي كانت بنات مصر كُلها قومتني ..!
ابتسمت الـفتاة على جملته فـهو يُكرر حديثها ، تحولت ملامحها للـتهكم و الإستهجان عندما رأت فتاتين فائقتين الجمال يُعاوناه على النهوض فـفغرت ثغرها بـغيظ متمتة ” ده أنا لما قولت الجملة دي طلع شوية *** يتحرشوا بيا !!! ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .
يتبع