بقلم سوما العربي 4

انت في الصفحة 8 من 15 صفحات

نظر له زوج عمته بغضب شديد و غيظ ثم ردد : و الله عال ، قال يعني مش عارف عمتك فين و إنت إلي حاميها ، لو حاي عشان ورقة طلاقها قولها اني ماشي فيها و قريب أوي هتوصلها بس ماعلش يعني تبقى تقولي عنوان أبعته عليها . هز غانم رأسه بجنون ،كأنه ينفض الكلام عن أذنه و قال: إيه إلي بتقوله ده يا عم راضي ، حاميها إيه و مشيت فين و طلاق إيه ؟ هو في ايه ؟ أنت زعلتها تاني ؟

ضيق راضي عيناه بحقد و غضب ثم قال: هو انا كنت زعلتها أولاني من أساسه ، ده أنا كنت عامل خدي مداس طول الخمسة وعشرين سنة إلي اتجوزتها فيهم و هي تملي نمروده و كانت تجري على أبوك و جدك تشتكي عشان تغضب و ترجع بيتهم و أنا أروح و أنا مش غلطان أحايل و أدادي و أرجعها و من بعدهم كانت بتتحامى فيك إنت. سحب غانم نفس عميق يشعر بالأرض تهتز من تحته و كأن ميزان الدنيا قد أختل

صدمة خلف الأخرى يأخدها فيمن حوله و قد عاش معهم عمره بطوله ، و كأن الجميع كان مرتدي لأقنعه خلفها وجوه كثيرة و اليوم هو يوم كشف الستر. لم يكن مصدق لما يسمعه حتى جلس مع راضي الذي ظل يقص عليه تفاصيل لم يكن يعرفها كانت تخفيها عمته لمواقف قلبت هي حقيقتها ليصبح هو الجاني و هو من يتطاول عليها. بوضع التفاصيل الدقيقة لجوار بعض في مواقف مرت تبينت الصورة كامله و تبين كذب عمته و إفتراها على راضي الذي عاش عمره كله مظلوم من عمته و جده و والده و منه أيضاً بناء على ما يسمعوه من سناء.

ليتعلم درس حياته ، إياك ثم إياك ثم إياك أن تبني لأي شخص صورة في ذهنك بناء على رؤية و رأي الآخرين فيه ، بل أبنيها بعد إحتكاكك المباشر بشخصه فقط . وجد نفسه يقف أمام باب البيت يفتحه و يدلف لعندها ، وثبت من فوق الأريكة تقول بخوف : ايه هتعمل فيا أيه ؟ لم يجيبها ، بقى صامت … لقد لف لفته و عاد إليها مخذول . على ما يبدو إن تلك هي الحقيقة التي أراد القدر أن يثبتها له ، هي حبه ،و أسرته ، هي تعويضه و من تبقى له .

ربما هو من تأخر عنها أو هي التي تأخرت عليها ، ربما كان في تأخرها عن الظهور في حياته نوع من العقاب. عقاب على ذنب لا يعرفه و لا يعرف متى أقترفه … و رغم يقينه التام بأنه لم يفعل ما قد يعاقب عليه هكذا و بهذه الصورة إلا أنه قد أيقن بإقدامه على خطأ ما ليدفع الثمن بتلك الطريقة. و هي رعبها يزداد طوال ماهو صامت هكذا لا يجيب ، عيناه مظلمة خاويه كأنه تائه ، لا تستطع توقع رد فعله القادم.

فقالت : مش بترد عليا ليه ؟ أنتشله صوتها من أفكاره و بدأ يقترب منها ببطء مثير يخلع عنه معطفه لتصرخ و هي تراه بات قريب من جداً : لااااا، أنت فاكرني لقمة سهلة ، ده انا أقف في زورك أخنقك ، المرة دي بمـ,ـوتك. لتصدم به يقف أمامها مباشرة يقول بألم ببصيص من الجمود لكن خرج صوته مبحوح مجروح : أحضنيني . أتسعت عيناها بصدمة من هيئته المتألمة ،من الصدمة لم تحرك ساكناً و أمام جمودها أرتمى هو في أحضانها لجبرها على أن تفتح ذراعيها و تحتويه بأحضانها .

وجدت نفسها تضمه لها بحنان كأنها تحمل عنه همومه ترغب في تخفيفها. و عادت بظهرها و هي مازالت تحتضنه ليجلسا على الأريكة تسأل بحنان: مين عمل فيك كده ؟ أغمض عيناه بتعب ثم جاوب : كلهم . جعدت ما بين حاجبيها و سألت: كلهم مين ؟ سحب نفس عميق و لم يجيب و اكتفى بقول : أحضنيني و بس يا حلا . ففعلت و ظلت تمسد جذور شعره حتى ذهب في النوم و هي بقيت تنظر له بمشاعر متخبطة ما بين الحنان و الإشتياق و ما بين الكره و النفور.

في الصباح أستيقظت لتجد أنها باتت ليلتها متكورة على نفسها فوق الأريكة متدثرة بغطاء من الصوف و هو ليس بجوارها. لتدرك أنها أستيقظ قبلها و دثرها لكن أين هو الآن؟ وقفت لتبحث عنه في غرف البيت المعدودة ثم فتحت الباب الخلفي المطل على الحديقة الغناء ثم مجرى النيل لكن لم تجده ، حتى بالطابق الثاني لم تجده . عادت للصالة من جديد تردد بجنون من تصرفاته: ملبوس ده و لا ايه ، بالليل ييجي مضروب على قلبه و أحضنيني و مش عارف إيه و الصبح فص ملح و داب ؟ اللهي يبتليه بمصيبه البعيد.

لتستمع لصوته و هو يردد : أكتر من كده! رفعت عيناها لتراه يقف عند مدخل الباب و قد اغلقه للتو ، يرتدي ثياب غير تلك التي كانت عليه ليلة أمس لتفتن أنه خرج و بدلها و لتوه عاد . تقدم منها يردد بحاجب مرفوع : إنتي بقا إلي كنتي بتدعي عليا السنين اللي فاتت دي كلها ، أتاريني جاي أرض أرض و كل يوم مصيبة شكل .

نظرت له بنزق و قالت: و ما ربك بظلام للعبيد يا باشا ، لو ماكنتش ظالم لحد ربنا مش هيظلمك و عندنا في الفلاحين في مثل بيقول لو كل الدعى بيجوز لا كان خلى لا صبي و لا عجوز . فسأل بجهل : يعني إيه ؟ حلا : يعني الدعوة مش بتتقبل غير لو أنت ظالم و المظلوم دعى عليك لكن مش كل ما حد يدعي على حد ربنا هيقبلها . هز رأسه مهمهاً : أممم.. مش قصتي ، أنا عايز فلوسي يا حرامية .

تصلب وجهها بغضب متفاجأ فالماثل أمامه الأن لهو شخص أخر غير ذاك المنهار الذي جاء إليها يختبئ من العالم في أحضانها . و قالت مذهوله : أنت إزاي كده ؟ ده أنت من كام ساعه بس كنت …. فقاطعه بإشارة من يده و هو يقول : هو انا كده جرحي بيلم بسرعة. تقدم بخطى ثابته يتبختر أمامها و هي لا تستطع إنكار إعجابها بوسامته الغير عادية و التي زادها بتلك الحلة الرماديه الانيقه و قميصه الأسود المفتوح من أعلى يبرز ضخامة عضلات صدره.

جلس على الأريكة يضع قدم فوق الأخرى و هو يردد بعدما نفخ دخان سيجاره : ها يا حلوة فكرتي هتدفعي إلي عليكي إزاي ؟ رمشت بأهدابها لا تملك الرد الأن فقال: شكلك ما فكرتيش ، أنا بقا فكرت ، خدي. ألقى بيده ملف به عدة أوراق و قال : أمضيلي هنا يا قطقوطة . نبرته في الحديث كانت مرعبة ،جعلت مفاصل جسدها كلها تتفكك و تتخبط و هي تسأل برعب : ورق إيه ده ، أنا مش همضي على حاجه.

رفع أنفه بكبر و قال: أمضي أحسن . نظرت له بتحدٍ فقال : ما خلصنا عرفنا إن معاكي حزام أسود يا ست الكتكوتة . زم شفتيه بحزن مصطنع و هو يردد ببراءة مزيفة : بس أمك يا حرام ، عضمة كبيرة مش هتتحمل ، ليه يا حلا تعملي في ماما كده ، ده حتى الأم مدرسة. نظرت له بصدمة تستوعب تهديده و هي تردد : أه يا أبن آل….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!