
الفصل الخامس والعشرون
أفعى حقا تكونين
تخونين الجميع ولا تستثنين
ت ين كل من حولك ..تدمرين
ولكن أنا لك بالم د أحمل السكين
سأخنق أنفاسك ثم أقطع رأسك اللعين
ليرتاح قلبى الذى يطالب بثأره منذ سنين
********************
قال خالد بهدوء ما إن دلفت جورية إلى السيارة مجددا:
أخبار خالتك جليلة إيه؟
ظهر الحزن رغما عنها على ملامحها وهي تقول:
نايمة.
كاد أن يدير السيارة ولكنه توقف قائلا:
هو أنا ممكن أسألك سؤال شخصى؟
نظرت إليه.. يدق قلبها بقوة..تخشى أسئلته الشخصية لها ولا تعرف كيف ستجيب عليها..ولكنها أومأت برأسها بهدوء..ليستطرد قائلا:
هو إيه اللى جواكى و مزعلك أوى بالشكل ده..أرجوكى إفتحيلى قلبك ومتخبيش عنى حاجة.
نظرت إليه للحظات تبغى هربا من كلمات لا تود قولها..فهو شئ خاص بها ..لتدرك أنه جزء منها حتى وإن حاولت الإنكار..أو إبعاده عن حياتها..يظل فهد أو خالد ..لا فرق بينهما..هو الأقرب لروحها..لتشيح بنظراتها عنه ،تنظر إلى الأمام قائلة بحزن:
خالتى جليلة مش جاية معايا عشان تطمن علية زي ماقلت..دى جاية زعلانة من جدى..لأول مرة أشوفها زعلانة بالشكل ده..أنا عارفة إنها مكنتش نايمة ..بس هي حاولت تعمل نفسها نايمة عشان متتكلمش..حسيت أول ما دخلت بصوتها وهي بتبكى بس كتمت صوت بكاها أول مادخلت أوضتها..أنا عارفة إنها محتاجة تبقى لوحدها وإنها مش حابة تتكلم..بس كان نفسى تتكلم معايا وتفضفض..أنا زعلانة عليها أوى..وزعلانة من جدى بجد.
قال خالد فى حنق:
هو بصراحة جدك مستفز أوى ..أنا لولا مكالمة فراس لية وأنا فى المزرعة..أنا كنت…….
قاطعته جورية قائلة بسرعة:
بالعكس على فكرة ..جدى طيب جدا..يمكن مفيش أطيب منه فى الدنيا..بس هو ساعات بيحبكها شوية..من ه علينا مش أكتر..أصل إنت متعرفش حكاية ماما وبابا..واللى أثرت فيه جدا وخليته بيخاف علية أكتر….
لتنظر إلى الأمام مجددا وهي تقول بشرود:
جدى مش اللى حكالى على قصتهم..جدى أصلا مبيتكلمش خالص عنهم..خالتى جليلة اللى قالتلى..فى يوم من الأيام بابا جه إشتغل عند جدى فى المزرعة..شاف ماما..ووقعها فى حبه..كان قاصد يوقعها علشان طمعان فيها..ولما جدى رفض جوازهم لإنه شاف طمع بابا فى عينيه..ماما هربت مع بابا..تصور بابا إن جدى هيسامح ماما بعد الجواز..وهيرجعوا يعيشوا فى المزرعة من تانى..بس جدى مسامحهاش..فإبتدى بابا يبان على حقيقته..معاملة وحشة وسكر وقمار..وماما إستحملت عشان خاطرى ولإنها كانت فاكرة إن جدى مش ممكن يسامحها لو رجعتله..وفى يوم جيت أصحى ماما مصحتش..جريت على جارتنا وطلبت مساعدتها ..مكنتش أعرف إن ماما كدة تبقى ماتت..لما جارتنا شافت ماما وعرفت..حاولت توصل لبابا معرفتش..دورت فى أوراق ماما..ولقت تليفون خالتى جليلة كلمتها وبسرعة كانت هي وجدى عندنا فى البيت ..وعلى ما جم كنا إكتشفنا إن بابا كمان مات بجرعة زايدة من الهيروين..الإتنين ماتوا فى ليلة واحدة ..هي إرتاحت من عذابها وهو…..
تنهدت ثم إستطردت قائلة:
الله يرحمه بقى..مع الأسف فى اليوم ده بقيت يتيمة فعلا..دفنا ماما وبابا ورجعنا المزرعة..أنا فاكرة حالة جدى أيامها كانت عاملة إزاي ..كان متحطم ..ولولا وجودى فى حياته مش بعيد كان جراله حاجة ..زي ما لولا وجوده فى حياتى أنا كنت ضعت.
إنتفضت على يده التى مسحت دموعها والتى سقطت على وجنتيها دون أن تدرى..لتنظر إليه فوجدته يتأملها بحنان ..أخفض يده قائلا:
ماضى عدى بحلوه وبمره..وإنتى النهاردة بكل مافيكى من تكوينه..ربنا جدك عشان يحميكى ويربيكى و ك عشان تعوضيه عن بنته..أنا مش عايزك تزعلى كل ما تفتكرى الماضى..حتى لو قصة مامتك وباباكى حزينة فكفاية إنك كنتى نتيجتها..ولا إيه؟
نظرت إلى عينيه تذوب بهما وبنظرتهما الحانية وبنبراته التى مرت على أحزان قلبها فجعلتها رمادا..ليقول فى مرح ذكرها بفهد:
وبعدين كلامك خلانى أحب جدك ..مش بالذمة دى معجزة أصلا؟
إبتسمت جورية رغما عنها..وكادت أن تقول..أحببته فى الماضى وليس غريبا أبدا أن تحبه مجددا ولكنها آثرت الصمت وهي تومئ برأسها..ليدير خالد سيارته وهو يقول:
يلا بقى زي الشاطرة..قوليلى جدك عمل فى خالتك جليلة إيه..حد بالذمة يزعل البسكوتة دى؟
إبتسمت وهي تقول:
هحكيلك ياخالد..هحكيلك.
********************
كان الوداع فى المطار مؤثرا للغاية ..خاصة لهؤلاء الذين يودعون قطعة من روحهم قبل السفر..فعيون لين لم تحيد عن مؤيد الذى حاول تجاهلها قدر الإمكان ولكنه كان يجد عيناه تعود إليها لتلتقى بعينيها..يرى بهما رجاءا وطلبا للغفران..فيشيح بنظراته عنها رافضا أن يرق قلبه لها..فتصيبه بنيران الشك من جديد ..ليجد نفسه مجددا يعود إلى عينيها فيجدها تغمضهما على دمعة مزقت نياط قلبه..كاد أن يذهب إليها..يأخذها بين أحضانه..يطمأنها بأنه لها قلبا وقالبا..حتى وإن لم يستطع لها غفرانا..فكيف يمنحها أملا فى الغفران..وهو لا يعتقد أنه قادرا على أن يسامحها يوما ..فهي لم تسامحه عندما ظنت أنه يخونها..لم تمنحه حتى فرصة للتبرير..فرصة للدفاع عن نفسه من تهمة هو برئ منها.. فكيف يغفر لها ظلمها له وشكها به..منحها ظهره وهو يقسى قلبه..كما فعلت هي منذ مايقارب من أربعة سنوات..قضاهم بعيدا عنها فى ألم وحزن ومرارة..يظن أنها تركته من أجل طفل..طفل لاذنب له فى حرمانها منه.
أما جورية فكانت تقف مع ليلة تحدثها على جنب..بينما كان هناك من لا يحيد بناظريه عنها..يود لو طلب منها السفر معهم رغم إستحالة تلبيتها لهذا الطلب الغريب..يود لو لم يفارقها قط..ولكن لابد وأن يفعل فأخته تحتاجه بجوارها وهو يحتاج لأن يطمأن عليها..فإكتفى بوداعها بعينيه ولكن قلبه لن يودعها فهي نبضاته..يعترف بكل قوة دقاته أنه بات يعشقها..وأنه عند عودته سيضع حدا لزواجه من تلك الشاهيناز والتى لم تهتم بأخته ولم تتصل به حتى لتطمأن على حالتها ..عندما يعود سيطلب الزواج من جورية..حتى وإن رفضت ل ها على حياته الزوجية سيثبت لها بالدليل القطعي أن زواجه من شاهيناز منهار كلية من قبل حتى أن يعرفها..وسيمنحها ورقة طلاقه كدليل على ذلك