الفصل الثلاثون
فى مساء اليوم التالى دخل فارس مكتب الدكتور حمدى بعد أن هاتفه وطلب منه الحضور على الفور لأن والد هانى قد جاء إلى المكتب وينتظره هناك … طرق فارس باب حجرة مكتب الدكتور حمدى ودلف إليه وهو ينقل بصره بين الدكتور حمدى ووالد هانى الذى كان يقبع أمام حمدى وقد ظهر حول عينيه السواد من شدة الإرهاق والأكتئاب الذى يعانيه منذ أن حُكم على ولده بأحالة أوراقه للمفتى ..
جلس الرجل يستمع إلى فارس وهو يقص عليه ما حدث معه منذ أن دخل مكتبه أول مرة وطلب منه الدفاع عن ابنه هانى فى قضـ,ـية القتـ,ــ,ـل , كان يستمع إليه وهو محدق به تتسع عينيه شيئاً فشيئاً غير مصدق ما تسمعه أذنه حتى انتهى فارس قائلا:
– يعنى مش ابنك لوحده اللى اترمى فى السجن بسبب القضية دى .. أنا كمان اترميت ظلم وده الفرق بينى وبين ابنك
ضاقت عينيى الرجل وهو يقول بذهول :
– يعنى مراتك هى اللى عملت كل ده لوحدها بعد ما رميتك فى السجن هى و وائل
أومأ فارس برأسه وقال بأسى :
– أيوا مراتى ووائل
صاح الرجل بانهيار :
– يعنى مراتك تتمتع بالفلوس وانا ابنى يتعدم واخسره
رفع فارس رأسه إليه وقال بجدية :
– ومين قالك انها هتتمتع بالفلوس .. دى زورت أوراق رسمية يعنى هتتحبس هى واللى ساعدها
دفن وجهه بين كفيه وهو يبكى هاتفاً :
– وابنى يا ناس ..أبنى هيروح مني
مال فارس للأمام وقال بهدوء:
– الحكم ده مش نهائى .. ده غير ان المحكمة هتراعى انه اعترف على نفسه
رفع رأسه ونظر إليه وهو يضـ,ـرب كفيه بحـ,ـسرة :
– يعنى كل التعب اللى تعبت فيه ده كله وانا بربيه وبكبره وبصرف عليه وبعمله اللى هو عايزة وفى الاخر ياخد مؤبد ولا أعدام .. ليه كده يا هانى انا قصرت معاك فأيه يابنى
تبادل فارس مع الدكتور حمدى النظرات المشفقة على الرجل وانحنى فارس باتجاهه وربت على كتفه قائلا:
– التربية مش معناها انك تديله فلوس وتخليه مش عاوز حاجة .. أنت كنت مخصصله شقة بتاعته من غير رقيب ولا حسيب على تصرفاته .. أنت اديته فى أيده الأداه اللى دمر بيها نفسه وانت فاكر انك بتسعده
مسح الرجل دموعه وهو يقول بحزن:
– أنا كنت بقول ده راجل مش بنت علشان أخاف عليه
ربت فارس على كتفه وقال :
– الحلال والحرام مفيهوش راجل وست .. كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.. أنت لو كنت ربيته على الحلال والحرام كنت كسبت راجل فى ضهرك دلوقتى يقف جنبك ويساندك..
نهض الرجل بتثاقل وقد شعر أن جبلاً قد وُضع على ظهره فلم يعد يحتمله وقال بوهن :
– متشكر يا دكتور فارس .. بس انا فوقت متأخر أوى بعد ما ابنى ضاع مني وماليش حيلة خلاص
وقبل أن يخرج من حجرة المكتب تبعه الدكتور حمدى مربتاً على كتفه مطمئناً له وقال :
– متقلقش زى ما قالك فارس الحكم مش نهائى
أومأ الرجل برأسه حزناً وهو يشعر بالضياع .. لم تنفعه أمواله فى أن ينشىء رجلا حقيقياً يعتمد عليه فى مراحل عمره المتقدمة ومرضه الذى بدأ يزحف إليه رويداً رويدًا .
بعد خروج الرجل من مكتبه أخرج فارس جواب استدعاء من النيابة وقدمه للدكتور حمدى قائلا:
– الآستدعاء ده جالى النهاردة الصبح علشان قضية التزوير,قرأ الدكتور حمدى جواب الاستدعاء وهو يومىء برأسه ثم قال :
– ده كان متوقع يا فارس طبعا .. متنساش أن أسمك فى التوكيل أول أسم ..
مط شفتيه قائلا:
– عموما متقلقش فى أكتر من اثبات أنك مكنتش شغال القضية دى
تنهد فارس بعمق وقال :
– أنا مش قلقان يا دكتور .. أنا عارف انى هطلع منها بسهولة ان شاء الله .. أنا هروح بكره واحط أقوالى وربنا ييسر الأمر والموضوع يخلص على كده
نظر له الدكتور حمدى بإشفاق قائلا:
– معلش يا فارس أنا عارف أن اللى حصل مش سهل عليك وصدمتك فى مراتك مش قليلة بس انت قدها وهتتجاوز الأزمة دى بسرعة زى عادتك دايما ..
ثم ابتسم قائلا :
– وبعدين عندى ليك خبر حلو هينسيك كل ده
نظر فارس إليه بفضول فقال حمدى على الفور بمرح :
– هو انت يابنى مش معاك الدكتوراة ولا أيه
أومأ فارس برأسه وهو ينظر إليه بفضول كبير فأردف الدكتور حمدى قائلا:
– طب استعد بقى علشان تستلم شغلك فى الجامعة يا دكتور
حدق فارس به غير مصدق وعلى وجهه ابتسامة وقال بسرعة:
– بجد يا دكتور
أبتسم الدكتور حمدى وقال بخشوع:
– ربنا كبير أوى يا فارس
*********
كانت عبير تضع الأطباق على المائدة وقد ارتسمت ابتسامة رضى على شفتيها ثم ضحكت ضحكة صغيرة وهى ترى بلال يمرح مع الأولاد ويداعبهم ويقوم بتعليمهم الملاكمة وهم يتدربون فيه , فمنهم من يلكمه فى معدته ومنهم يلكمه فى وجهه ومنهم من يقفز على ظهره ويلكمه فى ساعديه وهو يصرخ بمرح ويصيح :
– ألحقينى يا عبير ولادك هيموتونى
ضحكت وهى تقول :
– أحسن ..أنت اللى علمتهم
ثم صفقت بيدها وهى تقول للأولاد:
– يالا يا ولاد أدخلوا صحوا تيتة علشان نتغدى سوا