
— الـمـارد —
• الـفصل الـثامن •
( الـخاتمة )
••••••••
وقف مارد أمـام اللـوحة ، لـيتخلص من رقم ست و ثمانين ..
الـباقي أصبح يتلخص في أسبوعين بـالتمام و الـكمال ..
نظر لـنفسه في الـمراة ، رغم أن كل التغيرات كانت بـالروح و الـجوهر الداخلي ألا أنه يشعر بـالرضا على ملامحه .. يشعر بـطمأنينة و راحة أكثر من ذي قبل بـكثير ، يـؤدِ فروضه الخمسة بـإنتظام و خشوع حقيقي .. أصبح يتضرع بـالدعاء من صميم فـؤاده بـأن يُصلح الله حاله ، و يُرشده للـصواب بعيدًا عن طرقه الـسابقة .
حتى عـلاجه ، قـام بـالتحاليل اللازمة من أجل أخذ خطوة الـعلاج حتى لو مُتأخِرة لكنه لم يهتم لـذلك ، حتى لم يهتم سيان يعش أو يمت .. فقط أحبّ أن يتوفى على خاتمة حسنة فـأصبح يقضِ معظم أقواته بـالعبادة من أجل تلك الأُمنية .. و أيضًا من أجل تكفير ذنوبه الـسابقة ……
نزل بـخفة راكلًا الباب خلفه و سلك مساره نحو الـطبيب الخاص بـحالته ..
•••
بـعد مرور ساعة ،،
خرج مارد من غرفة الطبيب مُتسع المقلتان و ثغره مفتوح على آخره ..
لا يُصدق ما سمعه لـتوه و لا يُصدق ما يصير حوله !
فـالآشعة و التحاليل اللازمة أثبتت أنه يُعاني من مرض آخر بسيط لا يمُت للـوفاة بـصلة !
مرض يُعالج بـالعقاقير و الأدوية اللازمة لا أكثر ، إذن لا مائة يوم ؟؟ لا لوحة لا وفاة تنتظره بعد أسبوعين ؟!
شهق بـفرحة و إبتسامة واسعة ظهرت على وجهه دون تصديق ، لـيهرول فورًا نحو منزله و خطة صغيرة وضعها بـخاطره .. أولًا ؟ يذهب لـيُصلي و يسجد لـربه حامدًا و شاكرًا و مستغفرًا .. مُعاهدًا نفسه ألا يسلك المسار الـخاطيء مرةً ثانية ،
و أن يعلم أنّ الله أكبر وقت سد كل الـطرق أمام وجهه .. و أنّ الله رحيم وقت رحيل كل الاحباء .. و أنّ الله أقرب إلى العبد من حبل الـوريد وقـت الـشعور بـالوحدة ……
و ثانيًا : أن يُهذب شعره و ذقنه و يبتاع حلة جديدة ..
و ثالثًا : أن يرتديها و يتوجه فورًا قاصدًا الـمشفى ، و خصيصًا معشوقته الـصغيرة لـيطلبها من والـدتها و رسميًا !
وقـف الآن أمام غُرفتها بـالمشفى بعد أن أنهى الخطوتين السابقتين ، عدل من وضعية قميصه الأسود تحت الـسترة الـصوفية من اللـون الـرماديّ على بنطال أسود .. أمسك جيدًا ببـاقة الورد الـضخمة و هو يحضر الكلمات المناسبة داخل عقله ، ثم طرق مرتين … لم يسمع ردًا يأذن له بـالدخول ، فـعاد يطرق مرتين آخرتين لـتنتبه أُذناه لـصوت نحيب و بكاء مرتفع فـساورته شكوكه و أخذت دقات قلبه ترتفع بـخوف لـذلك لوى مقبض الباب بـبطيء راميًا بـصره بـالغرفة لـيتصنم و هو يرى والـدتها تجلس على المقعد بـملابس سوداء و يكسو وجهها دموعًا غزيرة متمتمة ببعض الكلمات ” يا عيني عليكي يا بنتي … سيبتيني و انتي في عز شبابك يا ضنايا ”
حول بصره فورا للـفراش لـيجده خاليًا ، الـصغيرة التي كانت تتمدد على الفراش و يتصل بها الأسلاك لم تعد موجودة ..
سقطت الـباقـة أرضًا كما سقط قلبه بـأخمص قدميه ، شعر بـالدوار و كل الـدُنيا تدور حوله بـسرعة فائقة فـاستند على حافة الباب بـألم و تمالك نفسه حتى وصل للـمقاعد بـالمرر و ارتمى عليها و مازالت الـصدمة تسيطر عليه .. مازالت الصدمة سيدة الموقف ..
ماتت ؟؟ ما*تت و تركته ! من كانت يتشوق قلبه لـرؤية ضحكتها و لو من بعد رحلت و لن يرى ضحكتها مرةً ثانية ؟ من كانت السبب لـسعادة عاهدها حديثًا و لم يذق نكهتها سوى معها هي رحلت و لن يتذوق تلك السعادة ثانية ؟ من كانت تفزعه بـحركاتها الـطفولية و تجعله يقهقه فـي أوج مراحله غضبًا رحلت !
من كانت تستشيط و تُطلق نارًا كاوية من فمها غيرةً عليه ، لن يحظى بـفرصة مثلها ثانيةً ؟!
من لقبت نفسها بـ ” فجر ” لـثقة إيمانها بـالعودة و الحصول على فرصة جديدة للـحياه ، لـتفاؤلها بـرؤية آشعة الشمس تسلسل لـحدقتيها وقت الفجر كل يوم رحلت ؟!.
شعر بـألم مُبرح يجتاح قلبه المسكين ، مرّ على خاطره صور أعز الأشخاص على قلبه .. والده ، والدته ، أخوه و أخيرًا هي ! كل من أحبهم رحلوا ..
أجهش بـبكاء و هو يدفن وجهه بـكفيه ، لا يجد رد فعل سوى الـبكاء بـألم و نزيف قلب .. لقد كان يطمح في بناء مستقبله معها منذ لحظات كيف صار ذلك ؟!
بكى بـصوت مرتفع و شهقات على حاله و وحدته ، أصبح تائه لا يعلم ماذا يفعل .. شيطانه يوسوس بـخاطره ، غابت من أشعلت أمله من جديد فـلما يظل على قيد الحياه الآن ؟؟
طرد تلك الوساويس مُستعيذًا بـالله فـهدأ نحيبه تدريجيًا و ظل يستغفر الله فقط ، متذكر عهوده بـألا يسلك مسار خطأ مرةً ثانية ..
استسلمت دمعة كانت مُعلقة على أهدابه و تدحرجت بـبطيء على وجنتيه و هو يتذكر كل مواقفه معها ، آخر شمعة كانت تُنير حياته انصهرت و ذابت .. اختفت الأضواء من أمامه و تبقى صوت واحد يتغلغل بـقلبه رافضًا الـإندلاع ” و هو أقرب إليه من حبل الوريد ” …
رغم آلامه و قلبه الـمذبوح ألا أنّ إبتسامة صافية تفننت على ثغره ، إبتسامة بـأنه لن يعد لـضلاله السابق و لن يستمع لـترهلات يُلقيها الوساويس الأبلسة داخل مسامعه ..
إبتسامة أنّه محفوظ بـدنيا الرحمـٰن ، إذا هُدمَت الدنيا فـالرحمـٰن قـريبٌ يُچيب دعوة الـداعِ أينما دعاه ..
وقف بـصعوبة من على المقعد و الأنهار مازالت تركض على وجنتيه بـإنسيابية ، لـيرتعب حرفيًا مما رآه .. من يبکِ عليها تسير بـالممر لا تلتفت إليه الآن ؟ الـمرحومة تسير الآن بـالرواق !
ازدادت حدة الدوار فـأصبح لا يرى شيئًا تقريبًا ! أخذ يترنح لليمين و لليسار واضعًا كفه على رأسه لـتنتبه له فـجـر و تشهق مُرتدة للـخلف ، دققت بـملامحه أكثر لـتهتف بـصدمة ” مارد ؟ “..
وجدته يميل على وشك الـسقوط فـأسرعت قابضة على ذراعيه و تحاول سنده بـشظايا قوتها فـوجدت صعوبة في ذلك ، زحفت به حتى المقعد و أراحته عليه لـتضر*ب بعدها وجنتيه بـقلق مُرددة اسمه بـقلق و هلع ، لمحت سواد عينيه عندما بدأ في فتح جفنيه بـضئالة فـارتطم بصره بها أول شيء …
نعيم سحبه لـعالم آخر بعيدًا خاصةً عندما سمع اسمه يتردد على لسانها بـصوتها الـمُرتاب الـمُضطرب ، لمسات ناعمة تضر*ب وجنتيه بخفة كـالريشة تسبب دغدغة فقط فـجعل جفنيه يتثاقلا أكثر حتى لم يعد قادر على فتحهمها فاستسلم غافلًا بين ذراعيها ……
••
بدأ يستفيق تدريجيًا ، كانت الرؤية مشوشة لا تتضح و اتضحت مع مرور الوقت لـيتصادم مع سقف أبيض مباشرة .. قفزت آخر الذكريات لـعقله فـانتفض جالسًا يصيح بـفزع ” فـجـر ! ”
أدار رأسه لليمين لتتلاقى الأعين بـعناق طويل ، وشاحها و أعينها الـبُنية بـإختلاط مع لون العشب الأخضر فـبدا إختلاطًا عجيبًا ! طالعها بـحنان يناقض البرودة المتوهجة بـحدقتيها .. ابتسم لها بحب هامسًا بـخفوت :-
_ إنـت عايشة ؟
لمح ملامحها الـسخرية على تعابيرها ، أزاح الغطاء عنه لـيقترب منها بـلهفة مسترسلًا :-
_ أنا آخر حاجة فاكرها إن سريرك كان فاضي و أمك قاعدة بتعيط و تقول بنتي .. إنتي أول حاجة جيتي على بالي و افتكرتك … افتكرتك سيبتيني بعد ما كنت جاي أتقدملك !
كانت تعابيرها جامدة مظلمة لا يتضح عليها التأثر و لو شبرًا ، لـتهتف بـتهكم قائلة ” خلصت ؟ ” .. و لم تستمع لـرده حتى نهضت من مقعدها بـصلابة و تحركت للـخروج ، فـاندهش من تصرفها الـجامد و هبط من على الفراش الطبي مُتوجهًا إليها ..
_ فجر ؟ فجر في إيه إهدي شوية !
وقفت فجر بعد أن كانت تسير بـخطوات سريعة واسعة لـتصيح به مُنفجرة :-
_ إبعد عني مش عايزة أشوفك !
استدارت لـتسير مرة ثانية ، فـقبض على رسغها مُقربًا إياه له ثم اوضح مقصده بـهدوء :-
_ فجر أنا عارف إنك شايلة جامد مني بس لازم تعرفي إني كنت بمر بـظروف مش ساهلة أبـدًا عليّا ..
أسرعت فجر قائلة بـفظاظة :-
_ يا ريتني كنت عرفت وقتها ، عشان أسيبك لوحدك زي ما سيبتني ..
حاولت التخلص من قبضته مُستديرة لتغادر فـجذبها نحوه هامسًا بـنبرة صادقة :-
_ أنا عمري ما سيبتك لوحدك ، أنا كنت دايما جنبك بصبر روحي بـمراقبتك من بعيد ..
دفعته فجر من كتفيه تنهره بغضب :-
_ إوعى ، إبعد عني امشي و سيبني يا جبان يا خسيس !
شدها أكثر و أحكم قبضته عليها ، هتف بـصوت أجش جاد :-
_ ممكن تسمعيني الأول بعدين تحكمي عليّا ، بس اسمعيني بعدين قرري ..
صكت أسنانها بـعن*ف متمتمة :-
_ إعتبرني قررت .. إبعد عني أنا عايزة أبقى لـوحدي !.
رفع ذقنها له قـائلًا بـصلابة لا تتحمل جدالًا :-
_ مش قبل ما آخد فرصتي الأو..
_ مش هينفع دلوقتي ، مش هقدر أسيب ماما لوحدها .. واحدة قريبتنا ما*تت كانت بتعتبرها زيي و أكتر كما..
_ بس خمس دقايق ، خمس دقايق يا فجر !