
الفصل الواحد والعشرون
أحقا قد أنساك و أنسى ملامحك
و داخل قلبي نقشت كل تفاصيلك
أي واد هذا الذي يحوي ذكرياتك
أودعها لتغرق عسى أضمد جراحك
كيف و داخل عيني أحاطت سراياك
تقيدني لأرى في كل رمش آهاتك
أتعيش روح لست لها تبكي غيابك
و يظل قلب لست سيده ينبض حبك
كيف أسحق إحساسا بات حبيسك
كيف أدفن حبا إختار أن يبقى ك
تائهة أنا و بقايا أيام في واد نسيانك
بقلم ..نور محمد
*************
كان خالد يمسك ألبوما للصور يقلب فى صفحاته وهو يعقد حاجبيه بشدة..حين دخلت جورية إلى المنزل لتراه يطالع ألبوم الصور الخاص بها..دق قلبها ب ..فهناك فى آخر هذا الألبوم توجد صورة له معها ومع جدها ..تخشى فى تلك اللحظة أن يراها ويسأل عنها..لاتدرى بأي شئ ستجيبه..لتتقدم منه بسرعة وتقف خلفه تماما..تقول بتوتر:
أستاذ خالد.
إلتفت إليها خالد ينظر إلى عمق عينيها وهو يرفع الألبوم أمامها قائلا:
هو أنا ليه متأكد إنى كنت فى المكان ده قبل كدة..وليه متأكد إنى شفت الصور دى كمان قبل كدة..لدرجة إنى عارف إنى لو قلبت الصورة دى هلاقى صورتك فى جنينة بتضحكى وإنتى رافعة إيديكى للسما.
قال جملته الأخيرة وهو يقرن قوله بقلب الصفحة فى الألبوم بالفعل لتظهر صورتها التى تحدث عنها..توقف قلبها تماما وهي لا تدرى ماذا تقول ..ليعاود النبض..وخالد يقول بحيرة:
جوري.. عشان خاطرى ريحينى ..عرفينى إيه اللى بيحصل معايا..أنا قربت أتجنن.
ظلت صامتة تتطلع إليه بإضطراب.. ليقلب خالد تلك الصفحة الأخيرة من الألبوم..وتغمض جورية عيونها..تدرك أنه على وشك أن يطالبها بتفسير عن تلك الصورة التى ما إن رآها حتى إتسعت عيناه بشدة.. ففى تلك الصورة يظهر هو بها واقفا بجانب جورية ورجل عجوز تبدو ملامحه مألوفة ..لينظر إلى جورية التى فتحت عينيها..تنظر إليه بقلة حيلة..ليعقد حاجبيه ب ة..يطالب إياها بتفسير فورى لكل تساؤلاته التى تدور فى عقله الآن وتكاد تصيبه بالجنون.
********************
كانت ليلة تتجه إلى سيارتها مطرقة الرأس بحزن وما إن إقتربت منها حتى رفعت عينيها لتتجمد تماما..وهي ترى محور أفكارها متجسدا أمامها..فراس..يطالعها بحنان..يقترب منها ببطئ حتى توقف أمامها..يبتسم قائلا:
وحشتينى.
تأملت عيونه التى تشعر دائما بالغرق فيهما..قائلة بحزن إمتنزج بشوق مرتسم فى عينيها الجميلتين:
إيه اللى جابك هنا يافراس؟
نظر فراس إلى عينيها قائلا:
زي ما قلتلك وحشتينى فلقيت رجلية جايبانى على المكان الوحيد اللى عارف إنى ممكن أشوفك فيه.
قالت ليلة بحزن:
إحنا مش إنتهينا من الموضوع ده يافراس..ليه مصمم تقلب فى اللى فات..إنسانى يافراس..إنسانى وعيش حياتك بعيد عنى..ريحنى وريح نفسك..أنا مبقتش قادرة أستحمل صدقنى.
أمسك فراس يدها قائلا:
مش هنرتاح وكل واحد فينا بعيد عن التانى..صدقينى..إحنا قدرنا واحد..ومحدش فينا ممكن يبعد عن التانى مهما حاول.
أحست ليلة بالضعف يغمرها..تدرك أنه على حق..ولكن….
قاطع فراس أفكارها قائلا:
متفكريش كتير..إمشى ورا قلبك وبس..وإن كان على خالد فأنا هقنعه..أوعدك إنك مش هتكونى لية غير برضا أخوكى بس عشان خاطرى متحرمنيش منك..متبعدنيش عنك..أنا مش هقدر أتحمل مشوفكيش أو مسمعش صوتك من تانى.
نظرت ليلة إلى عيونه المتوسلة إليها أن لا ترفض طلبه..ليرق قلبها له رغما عنها..فقد وعدها بأن تكون له وأن يحصل على موافقة خالد وهي تثق به كلية..لتبتسم برقة ومع إبتسامتها عادت روحه إليه ..ليبتسم بدوره ولكن تلك الإبتسامة مالبثت أن زالت على الفور عندما سمع صوت يقول من خلفه:
إحنا فى جامعة على فكرة مش فى كافيتريا للعشاق.
إلتفت فراس ليطالع رجل فى أوائل الثلاثينات من عمره لم يرتح لملامحه ونظراته على الإطلاق..أدرك أن ليلة لا تستسيغه من رعشة يدها فى يده قبل محاولتها أن تترك يده..ليتمسك بيدها وهو يرمق هذا الرجل بحدة قائلا:
وحضرتك تبقى مين بقى؟
قال الرجل ب ية:
دكتور وليد..وبشتغل هنا فى الجامعة..انت بقى تبقى مين..وموجود فى الجامعة بصفتك إيه؟..أظن إنك مش طالب ولا حتى دكتور زميل.
قال فراس ب ية:
مش فاهم يعنى حضرتك دكتور هنا ولا حارس أمن؟
قال وليد بإستنكار:
دكتور طبعا..ما أنا قلتلك.
قال فراس:
وهو شغل الدكاترة بقى متابعة الطلاب برة السيكشن..ولا ده شغل حراس الأمن؟بتهيألى إنت متلخبط فى مهامك الوظيفية.
نظر إليه وليد ب قائلا:
إنت مين إنت عشان تعرفنى مهامى الوظيفية..وموجود هنا فى الجامعة بصفتك إيه؟ما ترد؟
قالت ليلة بتوتر وهي تشعر بألم كبير يجتاحها:
يلا بينا نمشى يافراس.
نظر فراس إليها مشيرا لها بالصمت وهو يعود بعينيه إلى وليد قائلا فى برود:
أنا خطيب ليلة..عندك مانع؟
قال وليد ب ية:
اللى أعرفه إن إسم خطيبها سمير..ميكونش إسمك سمير وفراس ده إسم الشهرة؟
ترك فراس يد ليلة وقد إنتفخت أوداجه ا ينوى أن يلقن هذا الوليد درسا ..فلا أحد يستهزئ بفراس حمدان مهما كان..لتمسك ليلة بذراعه وهي تقول بإضطراب وخشية عليه أقوى من ذلك الألم الذى يزداد فى كل أنحاء جسدها:
عشان خاطرى يافراس سيبك منه وتعالى بينا نمشى من هنا..هو ده اللى عايزه ..يعمل مشكلة وفضيحة ويكبر الموضوع.
قال وليد ب ية:
وهو انا لسة هعمل فضيحة ..ما الفضيحة موجودة أصلا..ولا إنتى مش حاسة بنفسك؟
قال فراس ب :
لأ ده إنت قليل الأدب بقى وعايز تتربى .
ليقترب منه يلكمه فى وجهه بقوة ليرتد وليد إلى الخلف ويسقط على الأرض..كاد فراس أن يجهز عليه..ولكن ندائها بإسمه وذلك الضعف فى نبراتها أجبراه على الإلتفات إليه ليراها تسقط أرضا مغشيا عليها ليسرع إليها ..يرفع رأسها من على الأرض يربت على وجنتها بخفة وهو ينادى عليها بصوت إمتلأ بالجزع..فلم تستجب له وقد شحب وجهها بشدة..ليحملها بسرعة ويتجه بها إلى سيارته يدخلها إليها بسرعة ثم يجلس خلف المقود يسرع بسيارته إلى أقرب مستشفى..وقلبه ينتفض ا على تلك القابعة بجواره..غائبة عن الوعي كلية..وشاحبة كالموتى.
********************
قال خالد فى حدة:
إتكلمى ياجورى ..ساكتة ليه..أنا إزاي موجود معاكم فى الصورة دى؟
رفعت رأسها تنظر إلى عيونه قائلة بثبات:
اللى معانا فى الصورة ده مش إنت ؟ده ..ده فهد….حبيبى وخطيبى.
شعر بغصة فى قلبه وهي تطلق على رجل آخر لفظ التحبب..هي مرتبطة بغيره..تبا..كم يؤلمه ذلك..ولكن مهلا غيره يشبهه تماما..بل يكاد يكون هو ..لولا هذا الل الذى يختلف تماما عن ل ه وهذا الوجه الذى يمتلئ بالسعادة ويعبر عن قلب راض سعيد وهذا بعيد عنه أيضا..فقلبه يرزخ تحت أطنان من الأحزان والأعباء التى تمنعه من أن يعيش تلك السعادة التى لطالما تمناها..إلى جانب أن إسم هذا الرجل ..فهد..قد سمعه فى أحلامه ومنها هي أيضا ..فما الذى يعنيه هذا بحق السماء؟
أفاق من أفكاره على صوتها يقول بهدوء:
دلوقتى ياريت ياخالد تمشى عشان جدى قرب ييجى ولو شافك هنا هيعملى مشكلة بجد.
تجاهل كلماتها وهو يسألها قائلا بحزم:
وفهد ده فين دلوقتى ياجورى؟مشفتوش معاكى يعنى.
نظرت إلى عيونه قائلة بحزن ظهر بهما رغما عنها:
عشان مسافر ..مسافر ياخالد..إرتحت..من فضلك بقى إمشى.
إقترب منها يمسكها من كتفيها يقترب بوجهه من وجهها قائلا:
ليه حاسس إنك بتكدبى علية وإنك مخبية عنى حاجة.. ليه كل حاجة تخصك بحسها تخصنى..ريحينى وقوليلى ليه من يوم ما عرفتك وأنا حاسس إنى عشت معاكى كل حاجة رفضت أعيشها زمان..كل حاجة بطلت آآمن بوجودها..ليه حاسس دلوقتى وإنتى بين إيدية بإنك لازم تكونى فى ى عشان أنا فهد حبيبك وإنتى جورى حبيبتى..تمام زي الأحلام اللى عشتها قبل ما أشوفك..تفسرى بإيه ده كله؟
أحست جورى بالضعف يكتنفها..كادت أن تخبره بالحقيقة كاملة ..كادت أن تبوح بمكنون قلبها خاصة وهي تشعر به قريبا منها هكذا ربما لأول مرة منذ سفره..تود لو إرتمت فى ه الآن ضاربة بكل ما يحول بينهما عرض الحائط..ولكنها منعت نفسها فى اللحظة الأخيرة..وصورة ريم تظهر أمام عينيها..لتقول بثبات:
إنت صح..فهد ما سافرش ..فهد مات..مات ياخالد..واللى شفته وبتحسه..أحلام زي ما قلت..إزاي حصلت ..معرفش ..ممكن يكون تناسخ أرواح..ممكن يكون أي حاجة تانية..متدورش على إجابات عندى لإنى معنديش أي إجابات ممكن أديهالك..معنديش غير نصيحة واحدة ليك ..إبعد عنى ياخالد..إبعد وإنسانى..مراتك وبنتك أحق بوقتك وبمشاعرك منى.
تأمل عينيها للحظات ..يقاوم شعوره الذى يجبره على تجاهل كل كلماتها ..بل رفضها كلية وفقط غمرها بين ذراعيه..يمرغ وجهه فى خصلاتها..يشبع رغبته الحارقة بأن يشعر بالحب لأول مرة فى حياته..فطوال حياته قد حرم منه حتى أنكره..ولكنه إبتعد عنها..قائلا:
أنا مش همشى ومش هتقدرى تبعدينى ياجورى غير لما أوصل لحقيقة اللى بيحصل معايا..عشان أرجع لبيتى ولطبيعتى من تانى..مع إنى أشك إنى لو وصلت للحقيقة ممكن أرجع خالد نصار بتاع زمان..تناسخ أرواح أو لأ..فأنا مقدرش أنكر مشاعرى من ناحيتك..واللى بتجبرنى إنى…..
قاطعه صوت يهدر ب قائلا:
فهد.
أغمضت جورية عينيها تدرك حجم المأزق الذى أصبحت فيه وخالد يلتفت إلى صاحب الصوت ليرى هذا الرجل العجوز والذى ظهر مع شبيهه فى الصورة..يحدجه ب ..لينقل بصره بين جورية التى شحبت تماما..وبين هذا الرجل..يدرك أن إجابة تساؤلاته تقبع عند هذا الرجل الذى يبدو أنه لا يطيقه ….على الإطلاق.
********************
فتحت ليلة عيونها لتطالع عيون فراس القلقتين والذى ما إن رآها حتى إبتسم قائلا فى لهفة:
حمد الله على سلامتك ياليلة..خضتينى عليكى.
نظرت إليه تقول بصوت ضعيف:
ماية ..عايزة أشرب يافراس.
أسرع فراس يسكب لها كوبا من الماء ويمنحها إياه لتشرب منه رشفة واحدة ثم تعيده إليه ..ليقول بحنان:
الدكتور بيقول إنك بتعانى من حالة ضعف عام وأنيميا حادة..وإن من الواضح إنك مكلتيش بقالك فترة ياليلة..الكلام ده حقيقى؟
أطرقت برأسها فى خجل..فمد يده يرفع ذقنها لتواجهه عيناها وهو يقول:
ليه مكنتيش بتاكلى ياليلة؟
قالت بهمس حزين:
مكنش لية نفس للدنيا كلها وإنت بعيد عنى يافراس..وأنا حاسة إن إحنا خلاص مبقيناش لبعض..إزاي بس كنت هاكل؟
نظر إليها بحنان وهو يهبط بيده يمسك يدها قائلا:
قلتهالك قبل كدة وهقولهالك تانى..مفيش حاجة فى الدنيا ممكن تفرقنا عن بعض..إحنا كل واحد فينا لقى فى التانى نصه التانى وخلاص إتجمعنا..ومستحيل نفترق.
ضغطت على أصابعه وهي تبتسم بضعف..تستمد قوتها من قوته وثقته فى عشقهما..ليبتسم قائلا:
قبل ما الكلام ياخدنا..أنا هخرج أجيبلنا أكل ..على ما يكملوا الفحوصات اللى طلبتهالك..مش هتأخر عنك.
كاد أن يبتعد عنها ولكنها تمسكت بيده قائلة:
مالوش لزوم يافراس..أنا مليش نفس ..صدقنى.
رفع يدها إلى شفتيه يقبلها بنعومة فأبعدت يدها بخجل..ليقول هو بحنان:
إحنا قلنا إيه..هناكل وهنبقى كويسين..أنا مش مستعد أعيش ال اللى عشته وإنت مغمى عليكى تانى..من فضلك ياليلة..خليكى مريضة مطيعة وإسمعى الكلام.
إبتسمت له وهي تومئ برأسها ليبتسم بدوره مرسلا إليها قبلة فى الهواء ..ثم يبتعد بخطوات سريعة تتابعه عينا ليلة التى إمتلأت بالحب..تدرك أنها تعيش إحدى رواياتها الرومانسية ولكنها ترغب بشدة أن تكون خاتمتها سعيدة ..لتغمض عينيها وهي تتمتم بدعواتها من أجل تلك الخاتمة.
********************
إلتفتت جورية إلى جدها قائلة:
جدي عزيز..حمد الله على السلامة.
تجاهلها الجد وهو يقترب من خالد قائلا:
ممكن أعرف إنت إيه اللى جابك هنا تانى؟وليك عين تورينا وشك؟
نظر خالد إلى جورية قائلا ب ية:
إنتى مش قلتى إن فهد مات؟جدك أهو بيثبتلى إنه عايش.
قالت جورية بمرارة:
لأ..فهد مات..مات من سنين.
لتغشى عيونها الدموع وهي تمسك بذراع جدها قائلة بإنهيار:
اللى واقف أدامك ده مش فهد ياجدى..ده خالد نصار رجل أعمال كبير فى القاهرة..لكن فهد حبيبى مات ..مات صدقونى..أنا بس اللى عارفة إنه مات..والله مات.. مااات.
كان جدها ينظر إلى إنهيارها بعيون إمتلأت بالحزن بينما كان خالد هو أول من لاحظ شحوب وجهها وثقل أنفاسها ليسرع بإلتقاطها قبل أن تقع مغشيا عليها..ضمها إليه لثانى مرة ليكون شعوره مماثل للمرة الأولى تماما..وكأنها خلقت ليضمها بين أضلعه ويصبح ه مكانها الطبيعي..تماما.
وضعها خالد على الأريكة وسط جزع جدها عليها..ثم ربت على وجنتها برقة بينما أحضرت جليلة العطر بسرعة بعد أن رأت ماحدث من وراء الستار..ليشعر كل من عزيز و جليلة أن هذا المشهد يتكرر مجددا..ليعقد عزيز حاجبيه يقسم فى نفسه أنه لن يسمح لحفيدته مجددا بالإستسلام لمشاعرها لهذا الفهد أو هذا الخالد..أيا كان إسمه..سيحول بينهما تماما وإن كان هذا آخر ما يفعله فى حياته..
********************
………
كان خالد يتجه إلى القاهرة فى سيارته..بالسرعة القصوى..يشغل عقله العديد والعديد من الأفكار..التى تتنازعه بقوة..فما إن إطمأن على جورية حتى إصطدم بجدها الذى طرده طردا من المزرعة..يخبره أن لا مكان له بها..مانعا إياه من رؤية حفيدته..وعندما حاول الحصول على إجابات لتساؤلاته حال ذلك الإتصال الهاتفي من فراس دون أن يحصل على تلك الإجابات..يخبره أن يحضر حالا إلى مستشفى الحياة..حيث توجد أخته ليلة..صوته القلق والذى شعر فيه بحزن كامن..جعل ال والقلق يغمران قلبه..لينحى كل تساؤلاته جانبا حتى يطمأن تماما على أخته الأقرب لقلبه..صغيرته التى رباها وأعدها كإبنته تماما…..ليلة.