
– الـمـارد —
• الـفصل الـسادس •
( لم تكن تخشَ رحيل أحد ، سوى من تشعر معه بـالأمان .. و رحل الأمان لـتبقى ورقة خريفية تستعد للـسقوط بأيّ وقت ! )
•••••••••
دخل منزلـه لـيلقى مفاتيحه على الأرض دون إهتمام ، تحرك بـخطى وئيدة نحو غرفته لـيفعل المثل مع هاتفه و سترته .. ثم سقط على الفراش بـتهالك و إنهاك كبير ، استعاد ذكريات تلك الليلة جيدًا بدءً من غيرة من هتف قلبه لها .. حتى ذلك الـعناق بل الوطن الـمُنعم الذي عاش بين ذراعه منذ ساعات ، حتى الـنهاية المأساوية … رحيلها ….
شعر بـرغبة جامحة في جذبها من شعرها لأحضانه ، بـحصارها بين ذراعيه و داخل فـؤاده للأبد يخبرها إن كانت تحبه بـمقدار وردة بـالبستان فـهو يعشقها بـمقدار حديقة مُغلفة بـالورود ..
قلبـه يتصارع من أجلها ، هي من أحيت رقصاته و سعادتـه بـضحكة واحدة منها و هي من ينزف قلبه لـبعادها الآن …
تبقى أقل من شـهرٍ على لفظ أنفاسه الأخيرة و لن يسمح بأن تتأذى و تتحطم من بعده ، لن يسمح بـإعطائها أملًا كاذبًا مُخادعًا و يتركها بين ماضٍ و ذكريات تعيسة تعيش عليها كما يفعل هو الآن …
هي سـتعالج و تبدأ بـمسيرة جديدة بـأشخاص جديدة ، و هو سـيقوم بـعد الأيام الـمُتبقية على نهايته و يتمنى لها السعادة كما بحث عنها كثيرًا و لم يذوقها سوى بـصحبتها ……
•••••••••
اتدثرت تحت غطائها تنحدر دموعها بـصمت .. تنتحب بين الحين و الآخر بـإنتفاضة ، و فكرة واحدة تؤلمها أنه رفضها لـمرضها .. أصبح مرضها يعوق مشاعر قلبها الهوجاء ، لن يرضَ بـتسليم قلبه لـفتاة مريضة صليعة الرأس مسكينة تقضِ أيامها بين الـتحاليل و العقاقير ……
لأول مرة تشعر بـآلام وجيمة تحتل جسدها النحيل ، كانت قوية فيما سبق بسبب وجود عامود الأساس الـذي يستند عليه سقف المنزل أمّا الآن ؟ هُدم و سقط السقف فوق رأسها ..
لم تكن تخشَ رحيل أحد ، سوى من تشعر معه بـالأمان .. و رحل الأمان لـتبقى ورقة خريفية تستعد للـسقوط بأيّ وقت !
اعتصرا جفناها نفسهما فتساقطت الدموع بـشكلٍ أكبر من كونها مُثيرة للشفقة الآن ، و توجهت لـدفن رأسها بـالوسادة مُستنجدة بـالحل الوحيد الـباقي و هو النوم …
•••••••
الـيوم الـثمانون ،، تبقى عشرون يومًا ..
أخذ طـوال الفترة السابقة يتخلس للمشفى و يراقبها خفيةً ، كانت حزينة مهمومة غادرت اللمعة عينيها ..
افتقد فكاهتها و مزاحها الـسخيف افتقد ضحكتها التي تُفقده صوابه …
كان يقف خلف باب غرفتها يراقبها بـهدوء مُمددة على الفراش و تتصل بها الإسلاك و المحاليل ، غاب عقله لـذكرى سابقة حُفرت داخل خلاياه كـكل ذكرياته معها ..
كـان بـإحدى الـبارات يقضِ أوقاتًا مملة في سبيل إنهاء يومه سريعًا لكن صار العكس و أحس بالوقت يعانده لا تتحرك عقارب الـساعة ، شعور بـالنفور من المكان جعله يختنق و يجاهد بين الأجساد المتلاحمة من أجل الوصول إلى الخارج و بالفعل خرج لـيسمح بكمية هواء ضخمة عبور رئتيه و أخذ يسير بـالشوارع حتى جابته قدماه إلى هناك .. إلى المشفى ، تخبأ خلف الأشجار مُلقيًا نظرة نحو الحديقة التي تجلس بها دومًا لـيجد فراغ يحل المكان ، ذم شفتيه بـعبوس و قد أُحبطت نواياه …
انتفض في وقفته و انكمش مفزوعًا عندما وجدها تقفز أمامه صارخة بـإزعاج ! انفجرت هي بـالضحك مُتمتمة :- اتخضيت تاني ، قسما بالله اتخضيت اهو اتخضيت !
ظلت تحرك كتفيها بـتراقص قاصدة غيظه فـقبض على ذراعها بـكفيه لـتشهق بـهلع من نظراته السوداء ، بينما جز هو على أسنانه بـغلٍ قائل :-
_ أعمل فيـکِ إيه ؟؟
شعرت بـألم من قبضتيه الـصخريتين فـهمست بـتوجس خائفة :-
_ ممكن تسيب إيدي .. عشان متعلق فيها الكانيولا ؟!
خفف من قبضتيه تدريجيًا و هو يحدق بـذراعها بـأسف ، فـهتف بنبرة شبه نادمة لكن خبأها تحت نظرات جليدية :-
_ آسـف ..
_ never mind ..
قالتها بـغرور تُطالعه من أعلاه لـأسفله ، لـتبتسم بعدها بـمشاكسة و هي تقرص إحدى وجنتيه قائلة :-
_ إنتِ كُنتِ بتراقبيني في صمت يا سوسة شُفتك ؟!.
ضحك مارد من أسلوبها و أزاح كفها عنه لـيتساءل مُغيرًا محور الحديث :-
_ بتعملي إيه برا ؟
نظرت حولها بـإندهاش لـترفع حاجب معقبة بـإستنكار :-
_ أنا مش برا ، إنت اللي جوا !
حدق بالمكان حوله بـغرابة و حاجبان معقودان لـيهتف مُتسع العينان :-
_ لا و الله !!
_ آه و الله ! قالتها بـنفس الأسلوب ..
لـيبتسم بـسذاجة و هو يُربت على وجنتها :-
_ و لو ، أنا أقف براحتي جوا و لا برا ..
الدور و الباقي بقى على اللي محبوس جوا و مش عارف يطلع ..
قالها بـمغزى قاصدًا غيظها ، فـعقدت حاجبيها بـعبوس و إستياء لكن سرعان ما ازالت تلك التعابير و بدلتها بـإصرار و عزيمة قائلة بـوجهه بـقوة :-
_ بكرة أخرج و أحبسك بدالي يا حلو ، ما هي دايرة و بتلف على الـكل عادي !
عاد من ذاكرته على صوت جهوري قوي اخترقه ” إنت بـتعمل إيه عندك ؟؟ ”
يتبع– الـمـارد —
• الـفصل الـسابع •
( فراق الـجسد أهون بـكثير من فراق روح تخللت داخل قلب و تمددت )
••••••••••
عاد من ذاكرته على صوت جهوري قوي اخترقه ” إنت بـتعمل إيه عندك ؟؟ ”
انتفضت مُلتويًا لـمصدر الصوت فوجدها والـدة فجر تقف كـالأسد و عيناها كـالصقر تصوب نحوه سهام ثاقبة .. فـحمحم مكانه بـخشرجة و لا يعلم ماذا يقول فـخرج صوته بتأتأة مهزوزة ” آ .. أ . أنا .. ”
قـاطعته بعد أن اندفعت صوبه أكثر مُردفة بـلهجة عدائية :-
_ جاي تشمت فيها بعد ما كسرتها ؟ جاي تشوف دنائتك و حقارتك عملت إيه في بنتي بعد ما كانت كلها حيوية و تفاؤل ؟ ياما حذرتها منك و نصحتها تبعد عنك بـ
قاطعها مُسرعًا بـالنفي :- صدقيني في سوء تفاهم في الموضوع !
هدأت و نظرت له جيدًا ، لـتستدير بعد أن قزفته بـجملة إختتامية :-
_ إتفضل من هنا و مش عايزة أشوف خلقتك تاني .. تاني مرة هبلغ عليك الأمن مفهوم …
تحركت بالفعل فـاستوقفها قائلًا بجمود :-
_ أنا تعبان .. قدامي عشرين يوم بس و هبقى في عداد المو*ت ، عايزة بنتك تتعلق بـواحد هيمو*ت و يسيبها كمان عشرين يوم ؟
وقفت الأم مكانها تحدق به بـصلابة ، فـجلس هو على المقاعد الـحديدية الـتي تتوسط الـممر مستكملًا بـهدوء و عيناه تنظران للأرض :-
_ أنا مش هنكر إني حبيتها .. حبيتها أكتر ما هي ماحبتني بـكتير ، كانت شعلة الضوء اللي نورت حياتي من تاني .. كانت الـحاجة الـوحيدة اللي حسستني بـفرحة بعد ما عشت خمستاشر سنة في كآبة و ضلمة مش بخرج منها ..
كان يتحدث بـخفوت ، و مع كلمة يتذكرها بـضحكتها الخلابة و يبتسم تلقائيًا .. مسح على وجهه بـحزنٍ جثى فوق فـؤاده فـأصبح يختنق و يتنفس بـضيق أكبر كأنه يُكافح من أجل خروج كلماته بـسلام دون أن ينهار فـاسترسل بصوته المبحوح :-
_ أنا اللي متأذي أكتر منها ، أنا اللي محتاجها مش هي .. بس أنا كمان مجرب شعور خسارة حد غالي عليكِ ، شعور إنك تمسكي في حبل من حديد و تكتشفي إنه مصدي و دبلان يدوب و يسيبك تقعي … إني أغيب و هي عارفة إني إتخليت أهون بـكتير من إني أغيب بعد ما أعشمها بـالحياه الوردية الجميلة ، غياب الجسم أهون بـكتير من غياب الروح !
صمت و إكتفى بـذلك ، دفن وجهه بين كفيه مُتنهدًا بـقوة كبيرة .. شعر بـملمس ناعم على رُكبته تربت عليه بـحنو ، أزاح كفه عن وجهه لـيتفاجيء بها جالسة أمامه .. تناظره بـمقلتين لامعتين كـالمرآة ، و تنتحب بـشهقات منتفضة فـبدت كـقطة صغيرة ألقى أحدهم عليها مياه فـأخذت ترتجف بـخوف …
نظر لها بـحنان لـهيئتها الـصغيرة الـمُستكينة و هي تشهق بـنحيب في محاولة لـكتم بكائها ، إلتمع الخضار بـعينيها فـأصبحا كـالزمرد و أكثر جمالًا .. قرب كفه من وجنتها لـيملس عليه بحنان قبل أن يتفاجأ بـأنها خيال تجسد أمامه و هرب !
نظر حوله لـيجد والـدتها مازالت واقفة و قد لانت نظراتها لـحديثه فإقتربت بهدوء و جلست بـجانبه تُربت على كتفه بـحنان أموي أفتقده منذ سنوات ………
••••••••
خرج من الـمشفى مهرولًا في الشارع كـالتائه ، يضع كفيه على رأسه و يدور حول محوره دون ثبات أو إرتكاز قط ..
بعد دفعة من حديث والـدتها الحنون الـمُشجع الـمملوء بـالتفاؤل و الأمل و هو يشعر برغبة جامحة في البكاء فقط .. فقط يريد أن يذهب لمكان يحتمي به و يبكِ ..
ظل يسير في الـشوارع كـالتائه لا يعلم ماذا يفعل ، دوى صوت الرعد بـالمكان تليه انهيار الأمطار الجليدية فـسقط راكعًا على الأرض مُستسلمًا لـتلك الرغبة .. يتخلص من كبته الـداخليّ و الظلام الذي كان يُغلف قلبه ، حرك رأسه نافيًا و هو يتساءل بـأسى ” لماذا ؟ لماذا وصلت لـتلك المرحلة الـبائسة ؟ بعد أن كُنت شابًا نافعًا يتسابق الجميع في الشهادة بـأخلاقه الحسنة أمّا الآن أصبحت غريبًا غافلًا عن مباديء ديني و إيماني ” .. رفـع رأسه لـينهمر المطر فوقه دون رحمة ، يغسله داخليًا و يُنقي فـؤاده …
جملة ترددت في خلده بـصوت والدتها
” ماحدش ضامن مو*ته .. حسبت إنك هتمو*ت بعد عشرين يوم ، مع إن ممكن تمو*ت في اللحظة دي … إستهدى بالله و ارجع لـوعيك الإستسلام و الإنسحاب مش حل ، الـحـل إنك تكافح لآخر ثانية و تتعالج حتى لو نسبة الـنجاح بسيطة تبقى عملت اللي عليك … إرجع لـربك و استخيره هو أقرب إليك من نفسك ”
اختلطت دموعه بـالقطرات المتساقطة عليه ، لـيتنهد بـمد بعد أن أدرك دوره الـحالي ……
••••••••
جلست والـدة فجر جانبها على الفراش ، تتذكر أيام طفولة تلك الـصغيرة .. رأسها الأصـلع كان يُغطيه شعرها الأسود الناعم ..
كانت فتاة مُشاكسة ذكية يقع الجميع بحبها ، تساقطت عِبرة على وجنتها عندما تذكرت حديث الطبيب عن حالتها .
حالتها حرجة و المرض خطير فـنتيجة الـعلاج ليست مضمونة بتاتًا …
بـالإضافة لـذلك حالتها النفسية السيئة ، لكنها قررت عدم البوح بـشيء .. إن علمت أنّ مارد حياته تقتصر بـعشرين يومًا فقط ذلك لن يكن بـصفّها بل سيزيد حالتها سوءً …
يتبع
..